الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

أصح التمائم

أصح التمائم.

القلب المنكسر أقوى عكاز .
واللسان الأخرس أبين ناطق،
والعين الباكية أحد الأعين.
وحريق البلاء أجمل رحيق.
والعقل العاجز أقدر العقول.
والتسليم المطلق أصح النتائج.
والذكر اللهج أشفى الرقى.
والحب أسمى غاية لقلب.
والرضى أغلى ثمن بذل.
والرضوان أمن نعمة.

تلك هي أصح التمائم في جسد التوحيد والعبودية الخالصة لله تعالى من كل شائبة. وما هي سواها فكل شيء إلا إنها ليست توحيدا وعبودية. 

وهي لكل الآنين والآنات، والمتوجعين والمتوجعات، والمكسورين والمكسورات، أن انكسروا لتنجبروا، وأملوا تنالوا، وحسنوا الظن تجد الله عندكم فسلوه ما بدالكم فقد حيزت لكم الإجابة. نسأل الله من فضله.

محمد بن إدريس

الأحد، 27 نوفمبر 2022

ذكورية أم نسوية اقتصاد اللغة أم اجحاف في الحقوق.

 ذكورية أم نسوية اقتصاد اللغة أم اجحاف في الحقوق.


إذا اتفقنا على عدل الله تعالى في الخلق، بإعطاء كل ذي حق حقه جنا كان أم إنسا أم حيوانا أم نباتا أم جمادا وآمنا بذلك إيمانا مطلقا يقينيا ما زال يتأيد بالدلائل الموجبة لكمال اليقين، 

وإذا اتفقنا أن اللغة وسيلة لإيصال المعنى المراد بين المتخاطبين، فما دل على المقصود عبر به قصرت الدلالة ألفاظا وتراكيب أم طالت، فليست العبرة بطولها أو قصرها.

واتفقنا أن أيضا بذلك على أن من البراعة في البيان تقليل التراكيب بتكثير المعاني، وأن ذلك مما يتنافس فيه المتنافسون في حلبة البيان، وفارسها المقدم فيهم من حاز قصب السبق في ذلك، فهو المبين البليغ ولا شك لأن الإسراف مذموم في العقل والشرع في كل شيء وأنهما خلاف العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض في كل الأمور، ومنها اللغة والبيان..


فأي شيء هو رمي خطاب القرآن الكريم وأساليب بيانه بالانحياز الذكوري، بتغليب أسلوبها على المساواة بين الجنسين زعموا، وهي دعوى والله عن جهل شديد باللغة وأوضاعها وطرائق بيانها، فأين هي الذكورية في مثل قول الله تعالى : يآ أيها الذين آمنوا اتقوا الله. والخطاب بالجمع يدخل فيه كل ذي أهلية بالتكليف ذكرا كان أم أنثى. بعكس قوله يا ايتها اللواتي آمن فإنه خطاب موجه للإناث خاصة لا يشركهم الرجال في ذلك، هذا هو الأصل في الخطاب اللغوي في نصوص الشرع، فإنها على أوضاع العربية جاءت، وعلى طرائق بياناها سارت، فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا اتهام الشريعة بالجور، على النساء وهذا اتهام ناقض صريح لشهادة ألا إله إلا الله محمد رسول الله إذ فيه تكذيب لله ورسوله وإبطالا لدلالات النصوص الصريحة الدالة على استواء الذكر والأنثى في خطاب الشرع، من حيث الحقوق لكل منهما، والواجبات عليهما، فهل هم لا يقرأون، أم إذا قرأوا لا يفهمون، أم إذا فهموا يعاندون ويجحدون، فيصدق فيهم قول الله {  وَجَحَدوا بِها وَاستَيقَنَتها أَنفُسُهُم ظُلمًا وَعُلُوًّا فَانظُر كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدينَ }[ النمل:  ١٤ ].


وبعد:

فإن الممارسات الخاطئة، باستغلال الدين مبررا لها، ليس حجة على صحة الشرع وصوابية أحكامه صوابية مطلقة في صلاحها زمانا ومكانا وبشرا أيا كانوا، فالحق محكم من كل وجوهه، والممارسات مدخولة مشكوك فيها من كل وجوهها إلا إذا ادرعت بالحق فسدت كل منافذ الخلل إليها، وبالله التوفيق.


محمد بن إدريس 

الجمعة، 25 نوفمبر 2022

تلك لغة كاملة ولكن

 *قواميس لغوية تقرأ كاملة*:


جرت العادة بأن قواميس اللغة تعامل معاملة المراجع العلمية والتي من أهم صفاتها  أن تستقى منها المعلومات موثقة، وقد تكون مصادر ينطلق منها في إثبات معلومة وليست فقط لمجرد التوثيق. ومن أهم الأسباب في ذلك طولها، وعدم تخصصها في باب معين، واحتواؤها على معارف كثيرة.


لكن خرجت عن هذه القاعدة قواميس لغوية اعتبرت مراجع ومصادر وأيضا مؤلفات تقرأ بنفس طريقة سائر المؤلفات غيرها وذلك لما تميزت به بما يلي:

- استفادت مما قبلها. وحررته.

- أضافت ما لم يكن موجودا.

- أحسنت في منهج العرض والتأليف فلا هي بالطويلة المحشوة ولا بالقصيرة المخلة.

- تخصصها في طريقة معينة لدراسة المفؤدة اللغوية.

- اكتسابها صفة المرجعية الموثوقة، واعتماد الجهود العلمية بعدها عليها، ومن أسباب ذلك جلالة مؤلفيها وإمامتهم في تخصصهم. 


وهذه القواميس هي: 


- العين، وهو المنسوب للفراهيدي وإضافته تكمن في اقتناص المعاني من تقليب الأبنية، وبيان المستعمل منها وغير المستعمل.


- الصحاح صحاح اللغة وتاج العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري، وهو قاموس متقن محرر، فيه نقد وتصحيح واستدراك، مع حسن العرض، ووجازة العبارة، في إمامة مؤلفه، وإبداعه فهو أحد أذكياء الدنيا.


- مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، وقد ابتكر طريقة في دراسة المفردة اللغوية عن طريق استخراج المعنى من الجذر الاشتقاقي بعد استقراء موارده.


- مفردات القرآن للراغب الأصفهاني،  وإضافته تكمن في اقتناص المعاني من استقراء مواردها في كلام الله تعالى وقطعا ستكون هناك معان جديدة تظهر من ذلك غير موجودة في استعمال كلام غير الله تعالى.


- أساس البلاغة، لجار الله الزمخشري،  وهو كاسمه أساس للبلاغة، فإن من مهمات البلاغة معرفة معنى اللفظ في الحقيقة وفي المجاز، ولا يعرف ذلك إلا من خلال استقراء استعمالات المفردات في سياقاتها فهذه الطريقة هي التي تسمى الطريقة الاستعمالية. وهذا وجه الإضافة فيها فهي تبين لك المعنى الأصلي للفظة والمعنى المجازي. 


هذه أبرز الطرق المبتكرة في دراسة المفردة اللغوية، ويبنغي أن يعلم أن كل طريقة من هذه الطرق اقتدى بها أحد ممن جاء بعدها، فالصحاح قد عملت عليه جهود طورته وكملته وصححته، ومن أنفس تلك الجهود حواشي ابن بري وتنبيهاته، وجهود الصاغاني.

ومقاييس اللغة قد سير على نهجه  ومن أنفس ذلك المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن للدكتور محمد حسن جبل وهو معاصر رحمه الله، وأوسع منه كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم للمصطفوي وهو معاصر أيضا رحمه الله تعالى وقد شمل طريقة الراغب الأصفهاني، في مفرداته، إضافة إلى طريقة ابن فارس في مقاييسه.


 وهناك طرق أخرى لكن ليس فيها ابتكار مثل جمع الألفاظ المستعملة في المعنى المعين فغاية ما فيها أن تعمد إلى معاني ماقالوا وتنظر اللفظ الذي استخدموه في ذلك، ويشترط لهذه الطريقة لكي تكتسب صفة الإبداع، أن تستخرج اللفظ الذي لم يستخدم باستقراء الموارد السابقة على معنى ان يقال مثلا باب في القتال فيذكر في معنى القتال الشديد لفظ لم يستخدم بناء على استقراء موارد ما استخدم مثله فيه. 



وجميع القواميس التي عنيت بكلام الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وآله مبتكرة مضيفة معاني لا توجد في غير كلامهما، فينبغي العناية بها لتحصيل المرادين مراد الله من كلامه ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم وآله ومن ثم تحصيل الملاءة اللغوية والبيانية. 

ومن أمثلتها:

في غريب الحديث:

كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام.

كتاب الفائق للزمخشري.

كتاب النهاية لابن الأثير.


وهناك مصدر في تفسير اللغة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يغفل عنه، وهو كلام السلف من الصحابة والتابعين والأئمة في عصور الاحتجاج، فإنهم أهل لغة أولا، ثم معاصرو تنزلات المعاني على الواقع، وناقلون ثقات لكل ذلك. 


ونجد ذلك في تفسير الطبري، مثلا أو مصنف ابن أبي شيبة، وكلام الشافعي في كتبه، والجاحظ، إلى آخر ما هنالك.


والفكرة من المقال كله في جملة واحدة: 

لا يمكن الوصول إلى معنى لفظة في اللغة أو الوحيين من مصدر واحد، أو طريقة واحدة، بل لا بد من استثمار كل الطرق السابقة، وغيرها، مما يمكن أن يستخرج به المعنى الأقرب إلى الصوابية في دلالة كل لفظة وتركيب. والحمد لله رب العالمين.


*محمد بن إدريس*

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2022

هل نحتاج إلى الحكمة

 ما الحكمة وهل نحتاج إليها


ألا تكفينا العلوم والمعارف،؟!


لكي نجيب على هذا السؤال لا بد لنا من معرفة ما هية الحكمة وحقيقتها، وهي كما أراها في أوجز عبارة: المعارف -وليست العلوم- التي ترقت بالممارسة العملية إلى أعلى مراتب اليقين. ولا بد فيها من قيد الممارسة ولكي تصح الممارسة لا بد فيها من معرفة صحيحة، ولا تصح المعرفة، إلا بعلم صادق، ولا يصدق العلم إلا بعقل صحيح، وهذه هي الحكمة البشرية.  


فإذا الحكمة ليست تجربة فقط، أو علما فقط، أو معرفة فقط،  بل هي ذلك كله، فهي التجربة التي بنيت على علم صحيح وأنتج نتائج يقينية، حتى صارت معرفة راسخة، وما زالت تترقى في مدارج اليقين حتى صارت أحكمت من جميع جوانبها فصارت حكمة.


أما الحكمة الربانية التي لا طريق إليها إلا الوحي، فأقرب تشبيه لها أن يستقر عندك حرارة النار لأن ذلك مستقر في العادة فلا يقول عاقل لا أكون على يقين حتى أجرب بنفسي النار فأجس حرارته. وهذا تقريب لفكرة الوحي الى العقل بانه ليس بحاجة الى ان يكون إلها ليتيقن من خبر الوحي وصدقه ويكفي العقل أن يستققر عنده صدق مخرج الوحي وموثوقية نقله بعد الإيمان بالله طبعا لأن التسليم بالوحي فرع عنه، فكما اكتفى باستقرار حقيقة جارية على العادة أو التجربة ولم يحتج الى اختبار ذلك فكذلك حقايق الوحي لأنها من عند رب التجارب والنتائج.


والحكمة البشرية مهما بلغت من يقين التجارب، فلن تدنو أو تماثل حكمة الشرع ولن تقارب. 


ونحن مدعوون لنأخذ بالحكمتين على أن نصلح فساد البشرية ونقصها، بصلاح الربانية وكمالها، هكذا في تفعيل للعقل في خدمة النص، وتنزيل للنص على حاجة العقل وهنا مغرز الحق في الإيمان.


وهل هي تكتسب؟ 

الواقع أن الحكمة البشرية هي التي تكتسب أفلا ترى أننا قيدناها بالممارسة والتجربة والتعلم، أما الحكمة الربانية فهذه توهب ولا تكتسب لإنها من قبيل الوحي وهذا هو تفسير قوله تعالى {  يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أوتِيَ خَيرًا كَثيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُو الأَلبابِ }[ البقرة:  ٢٦٩ ]. 

فانظر إلى الفعل (يؤتي) الدال الهبة وتأكيده باسم المفعول (يؤتى ) موضح لما قررناه ومثبت له.


ونجيب الآن على سؤالنا الذي افتتحنا به هل نحن بحاجة إلى الحكمة أم لا؟ 


والجواب قطعا نحن بحاجة الى كلا نوعيها البشرية والربانية فعقل الإنسان مهما بلغ من رجاحة وإدراك لن يسع الحقايق بمفرده، فلا بد من تضافر العقول مع التجارب على مر الزمن فينتج كل جيل حكمة يسلمها إلى الجيل الذي يليه وهكذا، وهذا هو غاية قدر البشر ومنتهى علومهم وحقايقهم.


وغني عن القول أن حكمة هذه حالها يشتد حاجتها إلى الحكمة الربانية من جانبين: 

تكميل نقصها وإصلاح فسادها.

ابتدائها بحقايق لم تبلغها ولن تبلغها إلا بالشرع.

فياسادة من أراد عمرا عريضا، عامرا بأقصر الطرق فليستكثر من الحكمتين. وليعول على التي هي من الشرع الحكيم.


أقول قولي هذا وأستغفر الله.


*محمد بن إدريس*

الاثنين، 14 نوفمبر 2022

الطريق إلى بيان(أسلوب كتابة) أبي عثمان تحصيل علوم أبي عثمان.

 الطريق إلى بيان(أسلوب كتابة) أبي عثمان تحصيل علوم أبي عثمان.


عمرو بن بحر الجاحظ إمام بيان، وفلسفة، وشرع، وهذه مشارعه التي ورد عنها وصدر، ولكل واحد من هذه المشارع قنوات متفرعة، فهي وإن كانت في العد ثلاث لكنها في التحقيق أكثر من ذلك.


فالبيان يشمل كل جوانب اللغة، والفلسفة كل المعاني نظريات كانت أو فرضيات أو حقايق والتي تتصل بجوانب الخلق المختلفة المحصلة من غير طريق الشرع، وهي في إحدى إطلاقاتها قديما ترادف مصطلح العلم  الذي استقر عليه الاصطلاح الحاضر. 


وأما الشرع فالمقصود به ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مما أسس وشرع في كتابه وقرآنه، ووضح وبين وشرع أيضا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآله من كل ما يتناول شؤون الحياة والخلق والمصير. 


ثم لا بد لك من صحبة أبي عثمان صحبة تجمع إلى كمال الأدب تمام الصدق والإخلاص في التلقي فعلى قدر إخلاص الطالب يفيض مدد الشيخ كما قاله العارفون الربانيون المعلمون.


وبعد ملئ وطابك من أبي عثمان تعاهده غبا، ولا تهجره فإنك مهما بلغت بعده فهو بعضه أو عظمه، وإنك لتحصل بالتعاهد مالم تحصله بالتلقي الأول. ومن جرب عرف. وهذا حق البر بالشيخ فهو والد ثان.


ثم ليكن لك عقل قبل ذلك، وقلب قبل ذلك وبعده، فإنهما جناحا المتلقي يحلق بهما في فضاء العلم اللامتناهي، تحقق به وتدقق، وتقارن وتصنف، وتثبت وتمحو، وتحل وتربط، بما يشكل عندك قاعدة علمية صحيحة، في كل باب من العلم.


 ولعل العقل يشط عن قصد الحق والفطرة، فينبهه القلب ويأخذ بيديه ويزيل حجابه.


وليكون القلب بهذا المحل السامق الأسنى، لا بد له من مورد ورائد، فأما المورد فهو من لدن الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وآله، وأما الرائد فرسول الله تعالى محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فكل ورد وصدر دونه فضلال وليس وراءه بلال. فلا طريق إلى الله إلا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وآله. وذلك هو التلقي عن الله تعالى. 


ولعلي أراك أيست من روم أسلوب أبي عثمان الجاحظ، بكل ما ذكرته لك فظننته ضربا من التكلف أو التكليف بالمشقات والمكابدات وحسب. 


فإن كنت كذلك فاعلم إنك إنما أتيت من جهل قدر البيان، وخطره، وأنه من دلائل الربوبية التي امتن به الله على خلقه حين { خَلَقَ الإِنسانَ(٣)  عَلَّمَهُ البَيانَ }[الرحمن:  ٣ - ٤ ]. 

ووصف كتابه الكريم وقرآنه العظيم بأنه بيان، وأنه مبين، 

فإذا كانت الكلمة بميزان وحساب، فالبيان بموازين وحسابات،


واعلم أنه ليس كل كلام بيانا، وإن من الكلام لهو أسود من الليل إظلاما، وأوعر من الجبال مسالك، طال الكلام أو قصر، فلذلك كان تحصيل البيان ولو بغير الكلام غاية مرومة وقصد متوخى. والفنون القولية والعملية دليل على ذلك.


فإذا تيقنت من جلالة البيان وسموه، فلا تستكثرن عليه وعلى أبي عثمان وعلى كل الأئمة من بعده كل ما قدمته لك. هذا فقط إذا ردت الطريق إلى بيان أبي عثمان وأسلوب كتابه، وسائر بيان أيمة العلم والبيان وكتابهم.


  وأنا أعقل من أن أدعي أني بينت وما قاربت لكني اللمحة البدرية أردت وهي لذي عقل كفت.


*محمد بن إدريس*

اللذة المظلومة

 


لكل شيء من الإنسان معنيان من خلقه، كونه أداة ووسيلة إلى المنفعة الموكل بها، وكونه سببا لحصول اللذة به، فاللسان يتذوق ليطعم ويتلذذ بما يأكل، فلو كان مجرد الأكل غاية لأغنى قطع الجوع ولو بكسرة خبز، وحتى هذه الكسرة لا بد لها من شيء يرققها ويلذذها. ويقاس على هذا باقي ما خلق من الإنسان.


ومرجع اللذات كلها إلى لذة الجسد، ولذة الروح، ولذة الواسطة بينهما وهي النفس.


وأعظم لذات الجسد عند أواسط الناس معتدلي الخلقة لذة الجنس، فهي إلى كونها سبب استمرار النوع في الخلق لذة كاملة مقصودة لذاتها، كشأن سائر ما خلق من الإنسان كما قدمنا به الحديث. وإنما قلت أواسط الناس، ومعتدلي الخلقة لأنبه إلى أن هناك من هو مستغن بطبعه عنه، كما هو مشاهد في واقع الناس.


وأعظم لذات الروح عند أواسط الناس كذلك ومعتدلي الخلقة لذة العلم المتحصل بطريق التعقل أي ممارسة عملية التفكير للوصول إلى عقل الحقيقة. وعقل النفس والجسد بها. وإنما قلت أواسط الناس كذلك لأنبه إلى أن هناك من هو مستغن بطبعه عنه إما لعجز فيه أو لانشغاله بغيره من اللذات.


وأما النفس فإن أعظم لذاتها هي قدرتها على توفية دور الوسيط بين الروح والجسد فهي برزخ بينهما فإذا كلت عن ذلك وعجزت أصاب الروح والجسد من ذلك بمقدار ما أصابها.


ولذلك كله كانت عناية القرإن الكريم بالنفس عناية بالغة، تصويرا لحقيقتها، وبيانا لأدوارها، والغاية من خلقها، ونسب إليها تعقلا خاصا تحاسب عليه وتؤاخذ، ومع ذلك لم يتركها هملا ترعى في حمى اللئام وموائدهم، بل رعاها وتكفل بها وحمل إليها من صنوف المعارف، وأطايب الجمال، ومواعظ الحق، ما يحقق لها التزكية فتتنقى عن كل شوائب الباطل فتتأهل بعد ذلك للقيام بدورها في إسعاد الجسد والروح.


ولذلك كله كانت أعظم اللذات على الإطلاق لذة تدبر القرآن الكريم وهي اللذة المظلومة فهل نحن منصفوها.!!؟


*محمد بن إدريس*

الجمعة، 11 نوفمبر 2022

خذ نسختك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم

 


مهما أعجبك النموذج الذي تراه فلا يخلو من ثلاثة عيوب:

إما أن تجد ما هو مثله.

أو أعظم منه.

أو تجد فيه نقصا يزهدك فيه ويرغب بك عنه

فلا تزال تبحث عن من تعجب به ممن يكون ( قدوة) لك.


وفي حمأة البحث تنسى أن تسأل نفسك لماذا لا أكون أنا قدوة نفسي ومثلي الأعلى؟ ! وقبل أن يتملكك خاطر التعجب من طول غفلتك عن هذا السؤال تبدهك حقيقة استحالة ذلك إذ لو كان ذلك ممكنا لم تضطر إلى التساؤل عن المثل الأعلى. ووجه آخر لعدم إمكان معرفته استقلالا تجربتك السابقة مع من أعجبت بهم وخذلوك ولا بد لهم من ذلك. اضطرارا. 


ولكي نتبين حقيقة الأمر فلنتساءل عن ماهية المثل الأعلى.

والجواب أبين من عين الشمس فالمثل أي الشاهد والنموذج والموضح لكمالات الأشياء وهذا معنى الأعلى بصيغة التفضيل. فيكون معنى المثل الأعلى أي النموذج الأكمل في كل شيء.


وفطرة الإنسان إن مالت الخير فهي أيضا تميل إلى الشر لأنها مطبوعة على النجدين. فهي إذا ناقصة عاجزة.

والعقل إن اهتدى إلى المحاسن والمقابح فليس هذا منه بطبع بدليل أنه يتوقف أو يجيز كثيرا من المقابح الثابتة من وجه آخر. فهو إذا ناقص عاجز. 

فمن الذي يمكنه أن يضع النموذج الأعلى، بحيث يستحيل على من سواه، ويكون الأكمل في كل كمال، والتنزه عن كل نقص. 


إنه الله جل علا وعز قال تعالى{  وَهُوَ الَّذي يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهوَنُ عَلَيهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعلى فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ }[ الروم:  ٢٧ ].  


أي له النموذج الأعلى في الخلق بدأ وإعادة بما لا يشبهه أحد على حد قوله تعالى الآية الأخرى {  أَتَدعونَ بَعلًا وَتَذَرونَ أَحسَنَ الخالِقينَ }[ الصافات:  ١٢٥ ]. وصيغة التفضيل ليست على بابها. وإنما هي أحسنية بالنسبة إلى آلهة المشركين تنزلا معهم في الخطاب أو المشاكلة اللفظية.


والمعنى الآخر لقوله وله المثل الأعلى: أي هو الذي بيده تحديد ماهية المثل الأعلى في السموات والأرض لأنه رب الكمال وواهبه لمن يشاء من عباده، والمتنزه عن النقص في كل صوره والمنزه لمن شاء من عباده.


وقد جمع ذلك ربنا جل وعلا من الخلق لرسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه تعالى واله وسلم فهو أفضل الخلق طرا، جنا وملكا وبشرا، حاز الكمالات الربانية، وتنزه عن النقائص البشرية، فهو المثل الأعلى الذي جعله الله في السموات والأرض. 


فإن ردت لنفسك حظا من هذا المثل الأعلى فخذ نسختك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد أوصدت كل الطرق إلى هاتيك المثل الربانية إلا طريقه، وكل من علا بمثل فهو  برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ممتثل. 


*محمد بن إدريس*

الخميس، 10 نوفمبر 2022

(المسألة مسألة هداية من الله)



كي تعلموا أن المسألة مسألة هداية من عند الله وتوفيق في حقيقة الأمر، وإلا فإن الوصول إلى الحقيقة ولو بأدنى مراتبها وهي مراتب ولا شك، ليس مستحيلا، بل سهل ميسر متاح لكل صنف واحد من الناس وهم الصادقو الرغبة في الحق. والوصول إليه، فإن هؤلاء بصدقهم قد رتقوا حجابا من   الحجب الكبرى عن الحق هو الكبر والبطر، بل هو شطر الحجب عن الحقيقة كلها، كما صح عن المعصوم عليه الصلاة والسلام وآله(الكبر بطر الحق وغمط الناس)، وقال تعالى { وجحدوا بها واستيقتنها أنفسهم ظلما وعلوا}.


وإحدى أيسر الطرق في الوصول إلى الحق، طريق النظر والتفكير المبني على الملاحظة وهو الذي يسمى باستخراج المجهول من المعلوم أو بناء الغائب على نتائج الشاهد وله تسميات عدة ومسماها واحد. 


وهي طريقة متفاوتة ظهورا وخفوتا، دقة وجلالة، وقد تسهل حتى تقرب من البدهيات، وقد تبعد حتى تحتاج إلى وحي قاطع بما وراءها. 


فمن تطبيقات هذه الطريقة في مسألة الإيمان بالله تعالى، وجوده وتفرده بالملك والخلق والتدبير، ملاحظة الموجودات أولا ومن ضمنها وجودنا لنسأل من أوجدنا، لا كما يروج له الملاحدة بأنه لا إله والوجود صدفة، وحتى قولهم هذا هم مضطرين إليه اضطرار إيجاد تفسير لظاهرة الوجود وأعراضه، فهم وإن أنكروا تفسير الموجد بأنه إله، لكنهم أباحوا لأنفسهم تفسيره بالصدفة المفسرة علميا. فسبحان الذي أعمى أبصارهم وطمس على قلوبهم فلا يهتدون سبيلا.


وجودنا نحن وسائر الموجودات هو منطلق السؤال من الموجد؟  لا أن نفترض جوابا سابقا بإنكاره ثم نسعى إلى إثبات أنه لا وجود حقيقيا ثابتا أصلا لأي شيء، وبالتالي لسنا بحاجة إلى سؤال من الموجد.!!!


لا بأس نحن مؤمنون بالله تعالى الموجد الخالق القادر المالك المدبر, وعندنا على ذلك ألف دليل أدنى دليل يورثنا يقينا أرسى من الجبال.


أما أنتم فاستمروا فيما أنتم عليه، وابحثوا عن أنفسكم التي أنكرتم وجودها وسائر الموجودات واعبدوا الذرة والطاقة والحيز والجاذبية.  


وسيرى كل منا ما وجد {  وَنادى أَصحابُ الجَنَّةِ أَصحابَ النّارِ أَن قَد وَجَدنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَل وَجَدتُم ما وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا قالوا نَعَم فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُم أَن لَعنَةُ اللَّهِ عَلَى الظّالِمينَ }[ الأعراف:  ٤٤ ].


*محمد بن إدريس*

السبت، 5 نوفمبر 2022

سأترك لكم الوصف في المصادر



العمل بفاعلية في الشأن العام، لصالح الشأن العام، غاية نبيلة فاضلة، لكن بشرط توفر الأهلية، وسلامة المقصد، لئلا يضر ولا ينفع أو أكثر مما ينفع. والإسلام يحب المبادرين المشاركين في نفع الخلق. 


ولكن!


ليس كل الناس ذو أهلية لهذا المقام، وليس هذا لنقص فيهم، بل لأنهم لم يخلوا له وييسروا لأجله، وكل ما عليهم هو البحث عن ما خلقوا لأجله، ويبدؤا بخاصة أنفسهم وليتركوا الشأن العام لأهله. وهم والله على خير كثير في ذلك إن صدقوا وأرادوا الله والدار الأخرة.


ولمثلهم أقول:


إن أهم عمل يمكن أن يكون فاعلا في بعض الأحيان ومن بعض الأشخاص خاصة عند الأزمات المحيرة هو ألا يعمل ذلك الشخص شيئا. إما لعجزه، أو لأن في كفه عن العمل مصلحة ترجح على عمله شيئا يزيد الطين بلة والداء علة.


 وليس هذا تواكلا أو إخلادا إلى الدعة أو هروبا من المواجهة كلا. بل هو نوع يقين يستقر في القلب حاصله الاستكانة إلى أمر الله والتضرع له من بلاء نزل لا يمكن دفعه ولا رفعه، أو انعدام بصيرة في واقع مظلم مضطرب تتخابط فيه الأشياء من حيث يرى أنها تتخاطب، إنه حين يغرز الخنجر في الخاصرة بين المتحاورين ويطلب كل واحد منهما النصفة لنفسه وكلاهما مجرم. 


إنه حين التهارج والتمارج، حين يدعي بعضهم التدين لله بينما هو يعبد نفسه، أو حين تراه عاقلا فإذا اقتربت منه وجدته معقولا بشهواته ونزاوته، أو حين تراه ينادي في كل حين أنه إنسان بينما هو شيطان متنكر أو حقيقي.


حين ترى الحمقى يتحدثون في كل شيء، لا بل يحكمون فيرفعون ويخفضون، حتى ولو كانوا أذكى خلق الله فعلا فإن مجرد دعوى معرفة كل شيء فضلا عن الحكم فيه كاف في الحكم بالحمق على من اتصف به. ويحسبون أنهم قد خرجوا من التبعة بقولهم (سأترك لك في الوصف المصادر). أغبياء حقا.


لمثل هؤلاء يتوجه لهم المقال كفوا كف الله أيديكم عن العباد والبلاد من الذي خولكم للحديث عن الجميع، إن كان هو حق إبداء الرأي فمجرد حديثكم يبين عن سخف عقولكم لا أقول جهلكم فإن من لا عقل له، من أين له العلم.


أم تحسبون أنكم بقولكم أننا مجرد نقلة(المصادر في الوصف) تثبتون علميتكم سبحان الله فإن نقلكم هذا أشد شيىء مخبر عن عمق حمقكم وجهلكم، فأنتم إن قرأتم لا تفهمون، وإن فهمتم لا تحاكمون، وإن حاكمتم لا تصيبون ولا تعدلون لأنكم لا تحسنون. 


لا أدري كيف يروج في الناس من يتكلم في مئة موضوع حرفيا، وبعضها أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأشد تشابكا وتعقيدا من الشجر، وحجته(سأترك لكم المصادر في الوصف). 


وحتى في دعواكم أنكم مجرد نقلة كذبة، فأنتم توجهون ما تنقلون بما بما يخدم أغراضكم أيا كانت، وياليت هذا التوجيه كان نافعا للخلق لخفف هذا من مضرة حديثكم بجهل لا. بل هو توجيه جاهل يقود العامة وغبراء الناس إلى الهاوية.


فلمثلكم جاء في سنن الترمذي(2406) عن عقبة بن عامر قال : قلت : يا رسول الله، ما النجاة ؟ قال : " املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ".

حكم الحديث: صحيح.


هذا إذا أحسنا الظن، أنكم تريدون خدمة أمة الإسلام، وليس تنفيذ أغراض شخصية وحزبية. 


ولمثلكم جاء في صحيح البخاري(11 )عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قالوا : يا رسول الله، أي الإسلام أفضل ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده ".  


وكما قدمت هذه الأحاديث محمولة على حال دون حال وأشخاص دون أشخاص، ومنهم هؤلاء العجزة المتزرين بالجهل المتعالم، الباخص كل الشؤون الإنسانية دينة وعقلية وصحية وأخلاقية واقتصادية، الذين يضرون بحديثهم في الشأن العام ولا ينفعون، أو أكثر مما ينفعون.


فيا جماعة(سأترك لكم المصادر في الوصف كفى).!!


وعندها فقط يستطيع الذين وكلهم الله للشأن العام، وييسر لهم الطريق إليه، العمل بفعالية مثمرة يعود رعيها عليكم وعلى سائر الخلق.


محمد بن إدريس

أفسحوا المجال للأسماع والأبصار والأفئدة

 غريب أن يحدث شيء في أقصى نقطة في كوكب الأرض فيؤثر في أقصى النقطة الأخرى منه.

كنا نفسر هذه الظاهرة بتعبير مضمونه صغر الدنيا وأن التشاسع الظاهر منها أمر نسبي في الحساب المادي فقط.

وهذا يعني أن هناك شيئا ما وراء الحساب المادي أليس كذلك.

ولا يعني عدم وجود تفسير لظاهرة خفية تؤثر على الأشياء نفي وجود حقيقتها، كما أن وجود التفسير لها لا يعني أنه البيان التام والكشف النهائي عن حقيقتها.

عند هذا المحور من النظر، وبتجريد للعقل من كل عوئق التفكير الحر، نجد غرابة شديدة في ظاهرة تأثير الأشياء بعضها ببعض، مع التباين الكبير بينها، وانعدام أي نقاط تقاطع بينها في الظاهر.

أظن أن هذا هو الشعور الذي ينتابنا ونحن نتقلب في لجة الأحداث السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية في هذا العصر. وهو الأمر الذي دعى محدودي التفكير، بادي الرأي، تفسير هذه الظواهر بدعوى وجود مؤامرة، تربط بين هذه الأشياء إذ يستحيل عند هؤلاء المتعجلة اتفاق هذه الظواهر على نتائج محددة مع اختلاف المعطيات.

وقد قدمنا أن عدم العلم لا يعني العلم بالعدم، ودعوى وجود مؤامرة ما تنسق هذا المشهد في الظاهر منطلق ممتاز لنقاش الفكرة التالية:

(ماذا لو وسعنا دائرة النظر، وقلنا إن من التفسيرات الأخرى غير تفسير المؤامرة لهذه الظاهرة هو وجود قوة متحكمة نافذة في كل شيئ قادرة على تسيس كل شيىء كما تريد، بقهر وغلبة ولا يقف لها شيء، إلى درجة قدرتها إعطاء نتائج متفقة من مدخلات مختلفة في ظاهر الأمر، أليس هذا التفسير مطروحا على طاولة العقل، متاحا للاختبار في معامله ومختبراته، أليس شيئا غريبا الاستماتة في قمعه واغتياله، سبحان الله، أكل شيء محتمل إلا أن يكون هناك إله لا إله إلا هو، ماذا وجدوا منه، حتى يقتلون أنفسهم إنكارا لوجوده، أانطماس بصائرهم وانغلاف قلوبهم، وانصمام أسماعهم، أخرسهم عن النطق بالحقيقة التي يصدقها كل شيء وينفي كل شيء سواها).  


فهل يدع مدعو الحرية الحرية للعقل، والرحمة بالقلب، ورعاية حق الإنسان، أن يقرروا ما يصلون إليه من تفسيرات بشأن ما يجدونه في كل شيء بعيدا عن توجيههم أم سيتدخلون كالعادة.


*محمد بن إدرس*

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة* إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبد...