الأحد، 26 فبراير 2023

ويل للقراء

 *ويل للقراء*


لا تخفى أهمية القراءة، فهي مفتاح العلم، ومنتجة الكتابة، ومؤسسة الكتب، ومع كل هذه الأهمية فهي في نهاية المطاف وسيلة من وسايل الوصول إلى الحقيقة.


أقول هذا لأني أرى ويا للأسف أنه تكاثر الناس فيهما بينهم بما يقرأون، فكل يكاثر صاحبه ويقول له أنا أكثر منك قراءة وأعز كتبا.


ولو تدبر قائل هذا الكلام لانتفع بموعظة صاحبه وهو يحاوره :أكفرت بالذي علمك من جهالة وجعل لك علوما، وكتبا، فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من مكاثرتك، وكبرك، ويرسل على بطرك حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا وقد كان. 


فما استكبر امرؤ بمقروء ومكتوب مكاثرا به، ومكابرا إلا آل أمره إلى : وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا،

معقول!!!

المستكبر البطر مشرك، كيف!!


نعم هو كذلك لأنه نازع الله رداءه، فالكبرياء صفة الله ولا تنبغي إلا لله، فمن اتصف بها فقد جعل نفسه شريكا لله فيها. ومن هنا تحسر وتحسف هذا المكاثر بماله وجنانه وكتبه ومقروءه.


القراءة ليست هي التي تعلمك، إنما استخدام الملكات، واستثمار المدارك، وتوظيف الكفايات فيما يقرأ هو الذي يعلم.


وقد اتفق العقلاء على أن أركان القراءة الجادة العلمية المثمرة أربعة هي:

الركن الأول: مرحلة التحنيك والرضاع،وبناء التصور، وهي مرحلة وضع اللبنات والأسس الأولى لأي علم يرغب المتعلم المواصلة فيه، وهي مرحلة في غاية الخطورة، فإن بناء التصور الفاسد سينتج عنه نتيجة فاسدة في أثناء التعلم، وتصور مسائل العلم، ولهذه المرحلة كتب لها خصائص معينة تفي بتحقيق هذا الهدف.


الركن الثاني: مرحلة الفطام، والتهيؤ لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، وهذه المرحلة تكون القراءة فيها أهم وسيلة، وتكوين المكتبة الخاصة أعظم سلاح، وهي مرحلة لا يغني فيها كتاب عن كتاب، فكل كتاب مهم في هذه المرحلة.


الركن الثالث: مرحلة التمييز والنقد، ونخل المعلومات، وفرز الجيد من الرديء، والحقيقي من المغشوش، وما تحته علم، وما تحته كلام فارغ. ولهذه المرحلة كتب خاصة، تساعد عليها، فهي مرحلة لا بد فيها من الاستعانة بالخبراء في المجال.


الركن الرابع، مرحلة بلوغ الرشد، وإنتاج معرفة جديدة، بعد استخلاص لباب الغربلة والنخل، ومشورة الخبراء، واختبار تجاربهم، وهنا في هذه المرحلة تظهر ثمرة القراءة الصحيحة العلمية الجادة المثمرة المبدعة.


والضامن النجاح لهذه المراحل الأربع، هو صدق الرغبة في الوصول إلى الحق، والتنزه من كل أشكال الكبر، والاتشاح بوشاح التقوى، والاتزار بإزار العبودية، والعض على عروتها يالنواجذ، لينال السائر في طريق المعرفة رحمة الله تعالى، فيؤتيه علما لدنيا وهبيا، وعلما كسبيا سببيا، وخير من جسد هذه الحال، وتمثل هذه الحقيقة، سيدنا الخضر عليه السلام، الذي حقق العبودية، فنال رحمة أهلته لشرف التلقي عن الله تعالى، بل وجعله معلما لنبي من أولي العزم وهو سيدنا موسى عليه السلام، وهو ما أخبرنا ربنا عنه بقوله:{  فَوَجَدا عَبدًا مِن عِبادِنا آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا }[ الكهف:  ٦٥ ].


هذا كلام موجه كله لمن يريد تحصيل معرفة جادة في أي فرع علمي، أما قراء التسلية، فأعظهم ألا يقرؤا هذا الكلام، فما هو كلام يقرأ للتسلية.


وأختم بخير كلام كلام الله تعالى ملك الكلام، الذي حذر من مصيبة التكاثر والمكاثرة، وذكر مغبته وعواقبه الوخيمة، فقال جل من قائل{ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ(١) حَتّى زُرتُمُ المَقابِرَ(٢) كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ(٣) ثُمَّ كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ(٤) كَلّا لَو تَعلَمونَ عِلمَ اليَقينِ(٥) لَتَرَوُنَّ الجَحيمَ(٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَينَ اليَقينِ(٧)  ثُمَّ لَتُسأَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعيمِ }[التكاثر:  ١ - ٨ ].


والحمدلله رب العالمين.


*محمد إدريس*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة* إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبد...