الثلاثاء، 28 فبراير 2023

للأفكار المجردة أكتب

 .قل لم أفهم، ولا تقل لم أقتنع.


ما يكتب عموما في عالم الأفكار، ووضع التصورات، وبناء المصاديق، وإنتاج القضايا الصحيحة، إما يكون تجريديا أو واقعيا هذان هما أهم الاعتبارات.


والتفكير التجريدي في نظري أهم من التفكير الواقعي، لأنه من قبيل بناء التصورات، والمقدمات، ومعلوم أن النتائج تبع لمقدماتها، فإذا صح بناء المقدمة، صحت وقوع النتيجة على إثرها. 

ولأن الواقع متغير، والفكرة التجريدية ثابتة، والثابت أعلى رتبة في العقل من المتغير، لأنه من قبيل اليقينيات، والمتغير من قبيل الظنيات، واليقين مقدم على الظن، طبعا، فقدم عليه وضعا،

ولأن الأفكار المجردة أصول تنبى عليها الأنظار في الواقع، فهي كالفرع لأصله، وهو أصل لها، فالأفكار التجريدية أصول فقه الأفكار الواقعية.

ولأنه في حقيقة الأمر وذلك في نظري، أن تطبيقات الواقع والتي لا حصر لها، لا تسمى أفكارا، لأنها نتيجة طبيعية للأفكار المجردة، فالصحيح أن يقال هي تطبيقات لأفكار معينة.


أردت أن أخلص من هذه المقدمة إلى بيان سبب صعوبة الأفكار المجردة، على عموم ذوي العقول، إلا على نفر أوتي قدرات خاصة لإنتاج هذا النوع من الأفكار، والتي تتسم عادة بأنها قيادية لمسيرة البشرية على هذا الكوكب، وأصحابها هم القادة الحقيقيون في مآل التدبر لطبائع الأشياء. 


وأردت أيضا أن أبين أنني ممن يميلون في كتباتهم إلى محاولة تقرير تلك الأفكار الجردة في الغالب، وإنتاجها في أحيايين قليلة أخرى، وكله بما يأذن الله به ويعين عليه.


وعليه فإني لا أركز كثيرا في تطبيقات هذه الأفكار، وأدع ذلك لمن يشاء ووجد نفسه غواصا على تقرير التفاصيل الواقعية، وهم كثر بحمد الله.


وأيضا فإني أعذر من يقرأ ما أكتب أن يجد فيه غموضا ما، وقد قدمت سبب ذلك، وأنصح له أن يأخذ حظه المتيسر له منه، ويتجاوزه إلى الواضح المفهوم.


والمقصود بالافكار المجردة: تلك الحقائق التي تثبت بالأدلة الصحيحة، بغض النظر عن أي اعتبار للواقع.

وهذا تبسيط للمصطلح، وإلا فله قيود وتفاصيل أخرى، ليست مقصد الحديث هنا.


وأما بعد:


أنا لا أكتب للحصول على مدح وإعجاب من أحد، وإنما أسعى بقدر الطاقة والجهد والعون الرباني نول رضى الواحد الأحد. 

فلا يغرنك بما أكتب ألا تجد من ينوه به، أو يكثر تسجيل الإعجاب، ومشاركته، والتعليق عليه، فإن ذلك عند العقلاء، لا يعني شيئا، وكم من نبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد.

على أني أرجو من الكريم أن يجعلني سببا في هداية خلقه إليه، فلا أعلم عملا أحب إليه، وأفرح له من ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، فأنا صفر وهو الواحد. وويلي إن كان قصدي غير ذلك. فيارب لطفك ورحمتك.

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.


على أني أكاد أصير إلى أي شيء، من شدة ضحكي علينا نحن البشر، حيث نظن ظن الهر يحكي انتفاخا صولة الأسد، أننا بما يحدث على أيدينا من خير في هذه الحياة، أنه بحولنا وقوتنا، كم نحن مساكين!!!

يا هذا نحن معابر لكرم الله وفضله....

فتأدب بين يدي ربك.

وأحسن وفادة العابر.

فلا تحل دون عبوره إلى من شاء ربك..

بحظ نفس وطلب للعابر..

وزهد فيما يبقى في الغابر..

وعسى أن يبقى لك شيء فتجده

إذا كنت إلى الله صائر.


والحمد لله رب العالمين 


عبده: محمد بن إدريس.

الأحد، 26 فبراير 2023

ويل للقراء

 *ويل للقراء*


لا تخفى أهمية القراءة، فهي مفتاح العلم، ومنتجة الكتابة، ومؤسسة الكتب، ومع كل هذه الأهمية فهي في نهاية المطاف وسيلة من وسايل الوصول إلى الحقيقة.


أقول هذا لأني أرى ويا للأسف أنه تكاثر الناس فيهما بينهم بما يقرأون، فكل يكاثر صاحبه ويقول له أنا أكثر منك قراءة وأعز كتبا.


ولو تدبر قائل هذا الكلام لانتفع بموعظة صاحبه وهو يحاوره :أكفرت بالذي علمك من جهالة وجعل لك علوما، وكتبا، فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من مكاثرتك، وكبرك، ويرسل على بطرك حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا وقد كان. 


فما استكبر امرؤ بمقروء ومكتوب مكاثرا به، ومكابرا إلا آل أمره إلى : وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا،

معقول!!!

المستكبر البطر مشرك، كيف!!


نعم هو كذلك لأنه نازع الله رداءه، فالكبرياء صفة الله ولا تنبغي إلا لله، فمن اتصف بها فقد جعل نفسه شريكا لله فيها. ومن هنا تحسر وتحسف هذا المكاثر بماله وجنانه وكتبه ومقروءه.


القراءة ليست هي التي تعلمك، إنما استخدام الملكات، واستثمار المدارك، وتوظيف الكفايات فيما يقرأ هو الذي يعلم.


وقد اتفق العقلاء على أن أركان القراءة الجادة العلمية المثمرة أربعة هي:

الركن الأول: مرحلة التحنيك والرضاع،وبناء التصور، وهي مرحلة وضع اللبنات والأسس الأولى لأي علم يرغب المتعلم المواصلة فيه، وهي مرحلة في غاية الخطورة، فإن بناء التصور الفاسد سينتج عنه نتيجة فاسدة في أثناء التعلم، وتصور مسائل العلم، ولهذه المرحلة كتب لها خصائص معينة تفي بتحقيق هذا الهدف.


الركن الثاني: مرحلة الفطام، والتهيؤ لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، وهذه المرحلة تكون القراءة فيها أهم وسيلة، وتكوين المكتبة الخاصة أعظم سلاح، وهي مرحلة لا يغني فيها كتاب عن كتاب، فكل كتاب مهم في هذه المرحلة.


الركن الثالث: مرحلة التمييز والنقد، ونخل المعلومات، وفرز الجيد من الرديء، والحقيقي من المغشوش، وما تحته علم، وما تحته كلام فارغ. ولهذه المرحلة كتب خاصة، تساعد عليها، فهي مرحلة لا بد فيها من الاستعانة بالخبراء في المجال.


الركن الرابع، مرحلة بلوغ الرشد، وإنتاج معرفة جديدة، بعد استخلاص لباب الغربلة والنخل، ومشورة الخبراء، واختبار تجاربهم، وهنا في هذه المرحلة تظهر ثمرة القراءة الصحيحة العلمية الجادة المثمرة المبدعة.


والضامن النجاح لهذه المراحل الأربع، هو صدق الرغبة في الوصول إلى الحق، والتنزه من كل أشكال الكبر، والاتشاح بوشاح التقوى، والاتزار بإزار العبودية، والعض على عروتها يالنواجذ، لينال السائر في طريق المعرفة رحمة الله تعالى، فيؤتيه علما لدنيا وهبيا، وعلما كسبيا سببيا، وخير من جسد هذه الحال، وتمثل هذه الحقيقة، سيدنا الخضر عليه السلام، الذي حقق العبودية، فنال رحمة أهلته لشرف التلقي عن الله تعالى، بل وجعله معلما لنبي من أولي العزم وهو سيدنا موسى عليه السلام، وهو ما أخبرنا ربنا عنه بقوله:{  فَوَجَدا عَبدًا مِن عِبادِنا آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا }[ الكهف:  ٦٥ ].


هذا كلام موجه كله لمن يريد تحصيل معرفة جادة في أي فرع علمي، أما قراء التسلية، فأعظهم ألا يقرؤا هذا الكلام، فما هو كلام يقرأ للتسلية.


وأختم بخير كلام كلام الله تعالى ملك الكلام، الذي حذر من مصيبة التكاثر والمكاثرة، وذكر مغبته وعواقبه الوخيمة، فقال جل من قائل{ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ(١) حَتّى زُرتُمُ المَقابِرَ(٢) كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ(٣) ثُمَّ كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ(٤) كَلّا لَو تَعلَمونَ عِلمَ اليَقينِ(٥) لَتَرَوُنَّ الجَحيمَ(٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَينَ اليَقينِ(٧)  ثُمَّ لَتُسأَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعيمِ }[التكاثر:  ١ - ٨ ].


والحمدلله رب العالمين.


*محمد إدريس*

الثلاثاء، 21 فبراير 2023

إلى الإسلام من طريق السعادة

 *إلى الإسلام من طريق السعادة*


 الإسلام منظومة حياة، تعتمد على ثلاثة مفاهيم رئيسية تشكل العقد الناظم لفلسفته، وهي:

في مرجعية الفلسفة: الوحي.

في منهجية الفلسفة: الاختيار المبني على التعقل الصحيح.

في غاية الفلسفة: التحقق بالعبودية التي أرشدت إليها حقائق الوحي، وصدقها الاختيار العقلي الصحيح.

إذا هنا ثلاث ركائز كبرى لننعم بالإسلام فلسفة حياة وأسلوب عيش: 

الوحي.

الاختيار.

العبودية. 


إذا أراد امرؤ معرفة الإسلام على أسس علمية صحيحة فليعلم أنه قائم على أسس ثلاثة مراتكبة بعض فوق بعض: 


الأساس الأول: الوحي وهو في أخصر عبارة توضح فلسفته أنه مصدر الحقائق واليقينيات التي لا يمكن العقل المجرد الوصول إليها، وبتعبير آخر، أنه المنبئ عن الغيبيات.  

وطريق إثبات صحة هذا المصدر إما: 

- باعتماده منهج العقل في إثبات ما يثبته ونفي ما ينفيه فيدرك العقل حينها أنه مصدر صحيح للوصول إلى الحقايق ولو سمي وحيا.


- وإما بإثبات صدق المعتمد عليه فيما يخبر به من الحقائق واليقينيات، فحينئذ سيقطع العقل أن المخبر بواسطته لا يمكن أن يكون كذابا بل يستحيل عليه ذلك لتواتر كل ما ينفي ذلك عنه. فإذا عجزنا عن إدراك أبعاد الوحي فلن نعجز عن إثبات صدقه وصحته مصدرا عن طريق صدق من أخبرنا به. وهذا واقع في حال البشر. فيمكن أن يقبل أحدهم حقيقة مطلقة عن أحد لثبوت اليقين عنده أنه لا يمكن أن يكذب أبدا.


- وإما عن طريق المعجزات وهي الخوارق للعادات يجريها الله تعالى على يد نبي أو ولي كرامة وتثبيتا له ولأوليائه، وتصديقا له عند مريدي الحق، بما يقطع أن هذه الخوارق لا بد أن تكون من مصدر خارج عن هذا النبي أو الولي أي أن المعجزة تجرى له لا أنه هو الذي يجريها، وهذا هو الفرق بين هذه الصورة والتي قبلها.


والآن:


وقد تبين معنى الوحي، وكيفية إثبات صحة كونه مصدرا صحيحا للوصول إلى الحقائق واليقينيات من دون العقل المجرد، فلا بد لمن أراد فهم الإسلام على أسس علمية صحيحة أن يدرك أن الوحي الرباني المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآله قد أخبر أن سعادة البشر في الدنيا والآخرة، منوطة بعمل صالح يصدر عن إيمان بالله فقد قال الله تعالى { مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ }[ النحل: ٩٧ ].


وأخبر أيضا أن شقاءهم في الدنيا والآخرة منوط بترك العمل الصالح الصادر عن عدم الإيمان بالله، وهذا قيد مهم جدا فقد يقع من المؤمن أنه يعصي ويفرط في العمل، لكنه بإيمانه بالله مازال مشمولا بالرحمة، بعكس الذي ليس في قلبه إيمان بالله فهذا صدوده عن العمل إعراض عن الله نسأل السلامة والعافية قال الله تعالى { وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى }[ طه: ١٢٤ ]. فقوله ذكري هنا أوجه معانيه أن المقصود به هو الإيمان بالله جمعا بين النصوص.


فإذا ما عرفنا هذه الحقيقة التي أخبر بها الوحي المنزل في كتاب الله وقد ثبت في العقل والقلب أنه صدق وحق بادر الإنسان إلى المرحلة الثانية، والأساس الثاني الذي يبنى عليه التصور الصحيح للإسلام وهو :


الاختيار: وهو في أحسن توصيف مختصر له: اعتقاد حقيقية معينة بعد اتضاح الموقف من الوحي قبولا ورفضا، بناء على عملية التعقل، وهذا شرط مهم جدا فلا اختيار لمن لا عقل له، والإسلام لا يريد أن يعتقد به المجانين وضعاف العقول والحمقى، بل هو دين قائم على دعوة كمل الناس في العقول والنفوس زكاء وذكاء إلى المبارزة في ميدان إثبات الأفكار أو دحضها بأسلحة العقل الفتاكة والتي لا يثبت معها إلا الحقيقة الكاملة الراسخة جذورها في الأرض الممتدة فروعها في السماء وليس ثم حقيقة سواها إنها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله تلك الحقيقة التي صدعت العقل وصرعته في معركة الحقيقة وجعلت له خيارين لا ثالث لهما إما أن يؤمن بها ويسلم لها فيعلو بهذه العبودية لها، حتى يعلن العقل أن العقل كل العقل في الإيمان بالله تعالى والتسليم له في كل ما أمر به ونهى عنه، فيصر بذلك العقل الكامل، وإما أن يكفر بها وحينئذ يكفر به كل شيء، وينادي عليه أن اشهدوا أن العقل لا عقل له. 


وإما العبودية طواعية، أو كراهية، وهذا الأساس الثالث لفهم الإسلام فهما صحيحا فليس بعد التثبت من صحة الوحي، والقدرة على الاختيار بالعقل الصحيح إلا العبودية التامة الطوعية، أو العناد والكفر مع البقاء في دائرة العبودية أيضا لكنها عبودية قهر وذل فأين سيخرج من ملك الله وسلطانه وهو ربه الذي خلقه. 

وشتان ما بين العبودتين، عبودية الحياة الطيبة بالإيمان والعمل الصالح، وعبودية الإعراض عن الله والإيمان به، ومن ثم الشقاء بذلك. 


هذا باختصار هي فلسفة الإسلام، في إسعاد الناس، فمن أراد أن السعادة في أسلوب حياة يحقق له كل أشكال الحياة الطيبة فها هو الإسلام.


*محمد بن إدريس*

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة* إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبد...