الثلاثاء، 5 سبتمبر 2023

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة*


إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبديع والرمي بالزندقة والتكفير بغير حجة سوى حجة من الهوى والجهل وسوء الطبع ووحشية الأخلاق.


ولئن سألتهم عن ذلك ليقولن إنما كنا نغير على دين الله وقد أغاروا حقا على دين الله وخلق الله وبلاد الله فأحرقوا الأخضر واليابس، وحوش وأشباح ازينت بثوب الآدمية فما بين الغيرة على دين الله والإغارة عليه (همزة قطع) تقطع ذا الإغارة عن الله، وتصل ذا الغيرة بالله وشتان ما بينهما.


ومن الأخلاق الوحشية التي أغاروا بها على دين الله (تعبد الله بالكراهية لخلق الله بحجة الولاء والبراء) أي الولاء لمن والى الله والبراء ممن عاداه. هذه صورة الحق في باطلهم الذي تلبس عليهم ولبسوا به على الناس دينهم. 


أما حقيقة أمرهم فهي الولاء بن والى تصوراتهم عن الله ودينه وطباعهم وأخلاقهم الوحشية والبراءة مما سوى ذلك.


قاتلهم الله أنى يؤفكون... 


وهم أفراخ لذي الخوصيرة الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله سيد أهل الأخلاق بل هو على الخلق العظيم نفسه، مشهرا سيف أسوأ الأخلاق بل هو في الخلق السيء نفسه، ذات غنيمة جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ليقسمها، فقال هذا الضال لرسول الله تعالى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم (حين لم تعجبه قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وأراد أن تكون القسمة على هواه هو قاتله الله) اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فما كان من حبيب الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن صكه بحقيقة خالدة تتردد على مسامع ذي الخويصرة وأفراخه عبر الزمن،( ويلك إن لم أعدل فمن يعدل، ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء). ثم قال حبيبي عليه الصلاة والسلام وعلى آله معنلا أن لهذا الضال أفراخا عبر الزمن يسيرون على ضلالته حذو القذة بالقذة يدينون الله بما يتصرونه أنه هو الدين وليس هو دين الله على الحقيقة( سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ولئن أدركتهم لأقتلنهم) أو كما صح عنه عليه الصلاة والسلام وآله.


وقوله عليه الصلاة والسلام( يتلون القرآن رطبا لا يجاوز حناجرهم) يؤكد منهج الضلال الذي بنى عليه هؤلاء الضلال ضلالهم في تصور ما هو دين الله وهو منهج الأخذ بظواهر النصوص من الوحي، مع مافيها من المتشابه والمحكم دون بينة وفيهم يقول الله تعالى { هُوَ الَّذي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في قُلوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وَابتِغاءَ تَأويلِهِ وَما يَعلَمُ تَأويلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرّاسِخونَ فِي العِلمِ يَقولونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُو الأَلبابِ }[ آل عمران: ٧ ].


وتأمل سياق الآية الوارد في تعداد آيات الله الدالة على وحدانيته وجعله في ضمنها ( إنزال آيات الكتاب منها محكم ومتشابه).


إن أهل الضلال أفراخ ذي الخويصرة أبوا على الله إلا أن تكون ( آيات الكتاب كلها محكم تتنزل على حسب أهوائهم).


إنك لتعجب منهم في ( سوء تقريرهم لعقيدة الولاء والبراء، وكذبهم على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وآله في تقريرها، بجعلهم أي صورة من صور الإحسان إلى الخلق من غير المسلمين ناقضا لعقيدة الولاء والبراء، هكذا في صورة صارخة من صور تكذيب الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله ورد لأمرهما في الإحسان إلى عموم الخلق، والإحسان إلى أجناس من الكفار، في آيات صريحة منها قوله تعالى في الوالدين الكافرين الذين يجاهدن الابن على الكفر، ومع ذلك يأمر الله الولد بالبر بهما بالمعروف وإحسان صحبتهما فقال:{ وَوَصَّينَا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ حُسنًا وَإِن جاهَداكَ لِتُشرِكَ بي ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعهُما إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأُنَبِّئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلونَ }[ العنكبوت: ٨ ].


فهؤلاء ليسوا كفارا عاديين بل هم الوالدان وتلبس الولد بهما أشد من تلبسه بأي كافر، ومع ذلك يجاهدن الابن على أن يشرك بالله، فيأمر الله الابن أن يرعى حق الله فيهما بصحبتهما بالمعروف. وأي صورة من صور تكذيب الله أشد من تصور هؤلاء لعقيدة الولاء والبراء..


ومن أجناس الكفار الذين هم أشد تلبسا بالإنسان المسلم، الزوجات الكتابيات التي أبيح لنا التزوج بهن، كما هو صريح قول الله تعالى

{ اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُم وَطَعامُكُم حِلٌّ لَهُم وَالمُحصَناتُ مِنَ المُؤمِناتِ وَالمُحصَناتُ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم إِذا آتَيتُموهُنَّ أُجورَهُنَّ مُحصِنينَ غَيرَ مُسافِحينَ وَلا مُتَّخِذي أَخدانٍ وَمَن يَكفُر بِالإيمانِ فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ }[ المائده: ٥ ].


ويأبى أهل الضلال في تقرير عقيدة الولاء والبراء التعامل مع هذه الزوجة بمبدأ الدواء المر تعاطيه مع شدة كراهيته، ويكانهم يستدركون على الله حسن تشريعه بسوء تقريرهم،


 فأي تكذيب لله أشد من تكذيب هؤلاء في سوء تقريرهم لعقيدة الولاء والبراء.!!!


والصادمة المزلزلة لا أقول مجرد آية تصريح الله تعالى بالإحسان إلى عموم المختلفين عنا في الدين، بأعلى صور الإحسان، وأعمه وأشمله، قائلا: { عَسَى اللَّهُ أَن يَجعَلَ بَينَكُم وَبَينَ الَّذينَ عادَيتُم مِنهُم مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَديرٌ وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ(٧) لا يَنهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَم يُقاتِلوكُم فِي الدّينِ وَلَم يُخرِجوكُم مِن دِيارِكُم أَن تَبَرّوهُم وَتُقسِطوا إِلَيهِم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطينَ }[الممتحنة: ٧ - ٨ ]. 


فأي تكذيب لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أشد من تكذيب هؤلاء في سوء تقريرهم لعقيدة الولاء والبراء.!!!


وإنهم ليسئؤن الأدب مع الله قائلين بلسان حالهم ومقالهم، فماذا بقي إذا من عقيدة الولاء والبراء، إذا أمرنا أن نحسن إلى كل هؤلاء؟!!


فيأتيهم قول الله كالصفع والتأديب لهم{ إِنَّما يَنهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ قاتَلوكُم فِي الدّينِ وَأَخرَجوكُم مِن دِيارِكُم وَظاهَروا عَلى إِخراجِكُم أَن تَوَلَّوهُم وَمَن يَتَوَلَّهُم فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمونَ }[ الممتحنة: ٩ ]. 


فمن أشد تكذيبا لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من هؤلاء في سوء تقريرهم لعقيدة الولاء والبراء.!!!


إن الولاء والبراء مبدأ (رمزي شديد الرمزية) للاحتياط لدين الله، يظهر من خلاله عمق محبة الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وما يحبانه، ويبغضانه، دون التوجه إلى أحد بعينه بالكره أو الحب لشخصه، إلا الكفار المقاتلين والظالمين كما صرحت به الآية الكريمة، فهؤلاء نكرههم لأشخاصهم وأفعالهم، أما من سواهم من الكفرة فنكره ما هم عليه من الكفر، ونحسن إليهم فيما عدا ذلك رجاء أن يكون هذا سببا في إسلامهم.

والحمد لله رب العالمين.


اللهم إنا نعوذ بك من جهل نحسبه علما، ومن سوء خلق نحسبه حسنا، ومن ضلالة نحسبها هداية، ومن إغارة على دينك وخلقك نحسبها غيرة. 



*محمد بن إدريس*

الأربعاء، 22 مارس 2023

ويل للمؤمنين من الوعاظ

 *ويل للمؤمنين من الوعاظ*


كل الوعاظ جهلة إلا عالم بأصول فقه الشريعة ومقاصدها، وأحكامها، وتنزلاتها على الواقع، مع حكمة راسخة، وعقل ذكي، ونفس زكية. 


فما الوعظ؟ 


هو با ختصار النصيحة بعلم وحكمة، بعلم بما ينصح فيه، فلا ينصح بما يجهله، وحكمة في تنزيل هذه الحكمة على واقع المنصوح بتهيئته نفسيا لتقبل النصح، ومعرفة مكمن الخلل في المنصوح ليصح الإصلاح وينجع الدواء.


وإذا فإن مرتبة الوعظ لعظيمة، وإنك لتعجب من تخليط يقع من أحد ما شهر بين الناس بكونه واعظا فيجد من يعذره بأنه مجرد واعظ ألا خاب العاذر والمعذور وتعسا.


قد قدمنا أن الوعظ نصح بعلم وحكمة، فأي شيء هو إعذار الجهلة وضعاف العقول وإسماحهم في الوعظ، اللهم إلا إن كان المقصود الغض من شأن الدين كله، فإن العلم في شرعنا دين، والدين علم، والوعظ علم، فالغض منه غض من الدين نفسه.


ثم الوعظ سوط من سياط القلوب، اكتسب هذه السوطية من كون الجلاد (الواعظ)يضرب القلوب به باسم الله تعالى، وفيه نوع من القول على الله فإما أن يكون بعلم، فهؤلاء هم الأنبياء وورثتهم من العلماء، وإما أن يكون بجهل فهؤلاء هم الجهلة وحسب. 


وهو إذ كان بهذه المكانة، صح أن يوصف بالسلطنة على القلوب، وسياستها، فإن الإمام الراغب الأصفهاني، قد عد الوعاظ من أصحاب الولايات على القلوب، وذلك فيما ذكره في كتابه الذريعة إلى مكارم الشريعة بما نصه: 

((فأشرف أصول الصناعات السياسة وهي أربعة أضرب:

الأول: سياسة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة، ظاهرهم وباطنهم.  

والثاني: الولاة وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم.  

والثالث: الحكماء وحكمهم على باطن الخواص.  

والرابع: الفقهاء والوعظة وحكمهم على بواطن العامة)).  (١)


وها نحن على مشارف رمضان، وإن مما يزعجني من متطوعة الوعظ ما يلي:


١- الافتئات على الشارع الحكيم، والمزايدة على الناس في إيمانهم وإقبالهم على الله طوعا دون حاجة منهم إلى إنهاكهم بسوط الوعظ، الذي يعيرهم بضعف عبادتهم، وبمقارنتهم بعبادة الأسلاف، بل يسوء أدب بعضهم فيعير الناس بعبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وكأنه شأو يدرك، والشأن كل الشأن هو بذل الوسع في الاقتداء بالنهج. 

ومن العجيب حقا في ذلك أنك ترى من غير المسلمين المخالطين للمسلمين يرفع شعار الاحترام لهم هيبة لشهرهم ولربما شاركهم الصيام وهو يهودي أو نصراني. 


٢- إعطاؤهم الحق لأنفسهم في تفصيل برنامج رمضاني لعامة الناس. وهو إن حسن كان مجرد رأي عابر، لا تشريع مستقر، ثم هو قد يليق ببعض الناس ولا يليق بآخرين، ثم من  طلب منهم تفصيل برامج في قراءة القرآن وطريقة صلاة التراويح والصدقة الخ ما هنالك والشأن أن الشرع قد أبان كل ما يلزم العبد في ذلك كله بما لا يدع لمتزيد مجالا.

وعادة الشريعة بعد تشريعها عبادات معينة وتفصيل ما يحتاج إليه العبد في أدائها، وشرائط قبولها، تدع المجال للعبد أن يقوم بها كيف شاء ما دام ملتزما بنهج الشريعة ولم يخرج عن منهج الشريعة.


٣- دعواهم العريضة أن الذي لا يداوم على الصالحات بعد رمضان فذلك دليل على أنه لم يقبل منه ما عمله في شهر رمضان هكذا ضربة لازب دون استدلال واحد صحيح يستقيم في الدين والعقل والمنهج. فتبا لهم وتعسا. وهم بذلك يفتون في عضدد المؤمنين، فلا يبذلون ما يستطيعون فما الفائدة من اجتهاده في العبادة وهو سيتغير بعد رمضان أرأيتم خطورة(هبد) الوعاظ، وهذه الفكرة إن كان لها وجه صحيح فمعناه هو الحض على الاستمرار على نفس النهج بعد رمضان من باب تتابع الأعمال، فالاجتهاد في رمضان يعين على مواصلة الخير بعده لأن مدة رمضان تكفي لمن صدق وجد في اكتساب عادات جديدة يستمر عليها. ومع ذلك فهذا كله لا يلزم، فالاجتهاد في رمضان طبيعي وهو خصوصية للشهر الكريم، لتوافر أسباب ذلك، والعودة بعد رمضان إلى الحال الني كانت قبله أيضا أمر طبيعي لتوفر أسباب ذلك.


هذه ابرز مثارات الغلط عند عامة الوعاظ الجهلة، وليس المقام مقام استقصاء بل التنبيه بما قيل على ما لم يقل.


وبعد:

فليتق الله، من يعظ الناس بأن يتقوا الله، ولا يتقولن على الله بلا علم، ولا حكمة، فإن عاقبة ذلك هو الخسران المبين.


ثم أيها المؤمنون:

يجب صوم شهر رمضان لمن شهده، والشهادة مقام أعلى من مجرد الحضور والمعاينة، بل هي مقام تحقق وتيقن من إذن الله لعباده أن يهرعوا إليه، وينجذبوا إليه بكليتهم، ولا يدعن بابا إلى عمل صالح إلا تولجوا منه إليه. 


يا مسلم ها قد غلقت تلك الأبواب التي كانت تصدك عن ربك، بغلق أعظم باب، وهو باب عدوك الأكبر إبليس لعنه الله، فما دونه أهون إن استعنت بالله فلنر الله من أنفسنا خيرا، وأولى أعمالك هو طرح قلبك على عتبة ربك في كل لحظة من لحظات هذا الشهر الكريم، حتى يؤذن لك في الحضرة الربانية القدسية، فتفيض عليك من ميازيب الرحمة والخزائن الملكية ما لا خطر ولا يخطر ولن يخطر على بال أحد اللهم آمين.


اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين، ولا مفقودين، ونحن في عافية وإيمان، وغنى وسعادة، وفقنا إلى ما تحب من الأعمال الصالحة التي وفقت إليها من وفقت من أوليائك، وتقبل منا، واغفر لنا، وكل عام وأنتم بخير.


*محمد بن إدريس*


--------

(١) الذريعة الى مكارم الشريعة - المجلد 1 - الصفحة 271 - جامع الكتب الإسلامية

الراغب الأصفهاني، 1428 هـ - 2007 م، الذريعة الى مكارم الشريعة، مجلد 1، صفحة 271، دار السلام - القاهرة

الاثنين، 6 مارس 2023

أي عبدي: من أمرك أن تعبدني بهذا

*أي عبدي: من أمرك أن تعبدني بهذا*


من سوء أدب العبد مع ربه، أن يعبده ويتقرب إليه بما لم يأذن له به أن يكون شرعا، وهذا فعل هو ضد طبيعة العبودية للربوبية.


ووجه كون ذلك سوء أدب بما يلي:

١- لأن فيه ترفيعا للعبد إلى مقام الرب، وذلك بجعل إمكانية التشريع له من دون الله. وتسمية العبد ربا إذا أخذ حق التشريع بالتحليل والتحريم قد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله الذي أخرجه الترمذي (3095) عن عدي بن حاتم رضي الله قال:أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءةٌ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه.


٢- لأن فيه افتئاتا على الله، وتقولا عليه بغير علم، فمن أين للعبد أن يعلم أن هذا الفعل هو مراد الرب، وقد نص ربنا تبارك وتعالى على أن هذه الفعل من أكبر الكبائر وأنه قرين الشرك، فقال: { قُل إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وَما بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكوا بِاللَّهِ ما لَم يُنَزِّل بِهِ سُلطانًا وَأَن تَقولوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعلَمونَ }[ الأعراف: ٣٣ ].


٣- لأن فيه تفويتا لأحد شرطي العبادة المقبولة عند الله، وهو المتابعة، أي لزوم الطريقة النبوية الواردة بصحيح الأخبار الثابتة، في التعبد بعمل فعلا وتركا، وأما الشرط الأول فهو الأخلاص لله، بقصده بالعمل الصالح دون إشراك أحد معه.

وقد دلت نصوص القرآن المتكاثرة على هذا المعنى، من أصرحها دلالة قوله تعالى: { قُل إِن كُنتُم تُحِبّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعوني يُحبِبكُمُ اللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ(٣١) قُل أَطيعُوا اللَّهَ وَالرَّسولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرينَ }[آل عمران: ٣١ - ٣٢ ].


٤- لأن فيه تشبها بالمشركين، والأقوام الضالين، الذين عبدوا الله بما لم يشرعه، وجعلوا دينهم هزوا ولعبا وقد نهينا في الشرع عن التشبه بهم، ففي كتاب الله تعالى يقول الله تعالى { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا الَّذينَ اتَّخَذوا دينَكُم هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفّارَ أَولِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ }[ المائده: ٥٧ ].


٥- لأن فيه تغييرا لشرع الله، وتطريقا ( أي فتح الطرق) للزيادة والنقص في دين الله، على صورته التي أتمهما الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وآله وقبضه عليها، فقال جل من قائل في كتابه الكريم {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا فَمَنِ اضطُرَّ في مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجانِفٍ لِإِثمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رَحيمٌ }[ المائده: ٣ ].

فتبطل حينئذ دلالة هذه الآية الصريحة بإكمال الدين وتشريعاته، بإحداث التغييرات فيه زيادة ونقصا.


وبعد:

فقد قال الله تعالى:{ فَاستَقِم كَما أُمِرتَ وَمَن تابَ مَعَكَ وَلا تَطغَوا إِنَّهُ بِما تَعمَلونَ بَصيرٌ }[ هود: ١١٢ ]. لا كما أردت.


ولأجل كل ما سبق كانت البدعة مذمومة في الشرع مطلقا، وضابطها المحرر الذي قرره الشريف البرفسير حاتم العوني، في عدة من كتبه، فقال: البدعة هي الأمر المتعبد به ويتدين به وقطع بعدم نسبته إلى الشرع.


فهي بهذا التعريف مذمومة من كل وجه، ما دامت غير صحيحة النسبة إلى الشرع على وجه القطعية، ويبطل تقسيمها من هذه الحيثية إلى بدعة حسنة وغير حسنة، 


والبدعة وإن كان ظاهرها حسنا لتلبسها بلبوس العبادة تركا وفعلا إلا أن ذلك لا يشفع لها أبدا، فيكون أصحابها كمن قال الله فيهم:{ هَل أَتاكَ حَديثُ الغاشِيَةِ(١) وُجوهٌ يَومَئِذٍ خاشِعَةٌ(٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ(٣) تَصلى نارًا حامِيَةً }[الغاشية: ١ - ٤ ]. 

وقال صلى الله عليه وسلم وآله في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه[5063]( عن أنس بن مالك رضي الله عن قال:جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقالوا: وأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! قدْ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا، وقالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ ولَا أُفْطِرُ، وقالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهِم، فَقالَ: أنْتُمُ الَّذِينَ قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟! أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي.


وعلى حسب العامية الشامية قولهم: الله لا يعطيك عافية فوق تعبك، يضرب مثلا لمن بذل جهدا في عمل فأفسده. 


فلماذا تعبد الله بما لم يشرعه لك. 


فمن أذن لك يا عبده أن تعبده بهذا.


وفي شرع الله موارد للتعبد لا تنضب، يتعبد بها العابد حتى يتعب، ثم يعود إليها مرة فيجدها أخصب، وأروى وأعذب، فلا تكونن كمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فتجعل ربك يغضب.


*محمد بن إدريس*

الثلاثاء، 28 فبراير 2023

للأفكار المجردة أكتب

 .قل لم أفهم، ولا تقل لم أقتنع.


ما يكتب عموما في عالم الأفكار، ووضع التصورات، وبناء المصاديق، وإنتاج القضايا الصحيحة، إما يكون تجريديا أو واقعيا هذان هما أهم الاعتبارات.


والتفكير التجريدي في نظري أهم من التفكير الواقعي، لأنه من قبيل بناء التصورات، والمقدمات، ومعلوم أن النتائج تبع لمقدماتها، فإذا صح بناء المقدمة، صحت وقوع النتيجة على إثرها. 

ولأن الواقع متغير، والفكرة التجريدية ثابتة، والثابت أعلى رتبة في العقل من المتغير، لأنه من قبيل اليقينيات، والمتغير من قبيل الظنيات، واليقين مقدم على الظن، طبعا، فقدم عليه وضعا،

ولأن الأفكار المجردة أصول تنبى عليها الأنظار في الواقع، فهي كالفرع لأصله، وهو أصل لها، فالأفكار التجريدية أصول فقه الأفكار الواقعية.

ولأنه في حقيقة الأمر وذلك في نظري، أن تطبيقات الواقع والتي لا حصر لها، لا تسمى أفكارا، لأنها نتيجة طبيعية للأفكار المجردة، فالصحيح أن يقال هي تطبيقات لأفكار معينة.


أردت أن أخلص من هذه المقدمة إلى بيان سبب صعوبة الأفكار المجردة، على عموم ذوي العقول، إلا على نفر أوتي قدرات خاصة لإنتاج هذا النوع من الأفكار، والتي تتسم عادة بأنها قيادية لمسيرة البشرية على هذا الكوكب، وأصحابها هم القادة الحقيقيون في مآل التدبر لطبائع الأشياء. 


وأردت أيضا أن أبين أنني ممن يميلون في كتباتهم إلى محاولة تقرير تلك الأفكار الجردة في الغالب، وإنتاجها في أحيايين قليلة أخرى، وكله بما يأذن الله به ويعين عليه.


وعليه فإني لا أركز كثيرا في تطبيقات هذه الأفكار، وأدع ذلك لمن يشاء ووجد نفسه غواصا على تقرير التفاصيل الواقعية، وهم كثر بحمد الله.


وأيضا فإني أعذر من يقرأ ما أكتب أن يجد فيه غموضا ما، وقد قدمت سبب ذلك، وأنصح له أن يأخذ حظه المتيسر له منه، ويتجاوزه إلى الواضح المفهوم.


والمقصود بالافكار المجردة: تلك الحقائق التي تثبت بالأدلة الصحيحة، بغض النظر عن أي اعتبار للواقع.

وهذا تبسيط للمصطلح، وإلا فله قيود وتفاصيل أخرى، ليست مقصد الحديث هنا.


وأما بعد:


أنا لا أكتب للحصول على مدح وإعجاب من أحد، وإنما أسعى بقدر الطاقة والجهد والعون الرباني نول رضى الواحد الأحد. 

فلا يغرنك بما أكتب ألا تجد من ينوه به، أو يكثر تسجيل الإعجاب، ومشاركته، والتعليق عليه، فإن ذلك عند العقلاء، لا يعني شيئا، وكم من نبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد.

على أني أرجو من الكريم أن يجعلني سببا في هداية خلقه إليه، فلا أعلم عملا أحب إليه، وأفرح له من ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، فأنا صفر وهو الواحد. وويلي إن كان قصدي غير ذلك. فيارب لطفك ورحمتك.

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.


على أني أكاد أصير إلى أي شيء، من شدة ضحكي علينا نحن البشر، حيث نظن ظن الهر يحكي انتفاخا صولة الأسد، أننا بما يحدث على أيدينا من خير في هذه الحياة، أنه بحولنا وقوتنا، كم نحن مساكين!!!

يا هذا نحن معابر لكرم الله وفضله....

فتأدب بين يدي ربك.

وأحسن وفادة العابر.

فلا تحل دون عبوره إلى من شاء ربك..

بحظ نفس وطلب للعابر..

وزهد فيما يبقى في الغابر..

وعسى أن يبقى لك شيء فتجده

إذا كنت إلى الله صائر.


والحمد لله رب العالمين 


عبده: محمد بن إدريس.

الأحد، 26 فبراير 2023

ويل للقراء

 *ويل للقراء*


لا تخفى أهمية القراءة، فهي مفتاح العلم، ومنتجة الكتابة، ومؤسسة الكتب، ومع كل هذه الأهمية فهي في نهاية المطاف وسيلة من وسايل الوصول إلى الحقيقة.


أقول هذا لأني أرى ويا للأسف أنه تكاثر الناس فيهما بينهم بما يقرأون، فكل يكاثر صاحبه ويقول له أنا أكثر منك قراءة وأعز كتبا.


ولو تدبر قائل هذا الكلام لانتفع بموعظة صاحبه وهو يحاوره :أكفرت بالذي علمك من جهالة وجعل لك علوما، وكتبا، فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من مكاثرتك، وكبرك، ويرسل على بطرك حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا وقد كان. 


فما استكبر امرؤ بمقروء ومكتوب مكاثرا به، ومكابرا إلا آل أمره إلى : وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا،

معقول!!!

المستكبر البطر مشرك، كيف!!


نعم هو كذلك لأنه نازع الله رداءه، فالكبرياء صفة الله ولا تنبغي إلا لله، فمن اتصف بها فقد جعل نفسه شريكا لله فيها. ومن هنا تحسر وتحسف هذا المكاثر بماله وجنانه وكتبه ومقروءه.


القراءة ليست هي التي تعلمك، إنما استخدام الملكات، واستثمار المدارك، وتوظيف الكفايات فيما يقرأ هو الذي يعلم.


وقد اتفق العقلاء على أن أركان القراءة الجادة العلمية المثمرة أربعة هي:

الركن الأول: مرحلة التحنيك والرضاع،وبناء التصور، وهي مرحلة وضع اللبنات والأسس الأولى لأي علم يرغب المتعلم المواصلة فيه، وهي مرحلة في غاية الخطورة، فإن بناء التصور الفاسد سينتج عنه نتيجة فاسدة في أثناء التعلم، وتصور مسائل العلم، ولهذه المرحلة كتب لها خصائص معينة تفي بتحقيق هذا الهدف.


الركن الثاني: مرحلة الفطام، والتهيؤ لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، وهذه المرحلة تكون القراءة فيها أهم وسيلة، وتكوين المكتبة الخاصة أعظم سلاح، وهي مرحلة لا يغني فيها كتاب عن كتاب، فكل كتاب مهم في هذه المرحلة.


الركن الثالث: مرحلة التمييز والنقد، ونخل المعلومات، وفرز الجيد من الرديء، والحقيقي من المغشوش، وما تحته علم، وما تحته كلام فارغ. ولهذه المرحلة كتب خاصة، تساعد عليها، فهي مرحلة لا بد فيها من الاستعانة بالخبراء في المجال.


الركن الرابع، مرحلة بلوغ الرشد، وإنتاج معرفة جديدة، بعد استخلاص لباب الغربلة والنخل، ومشورة الخبراء، واختبار تجاربهم، وهنا في هذه المرحلة تظهر ثمرة القراءة الصحيحة العلمية الجادة المثمرة المبدعة.


والضامن النجاح لهذه المراحل الأربع، هو صدق الرغبة في الوصول إلى الحق، والتنزه من كل أشكال الكبر، والاتشاح بوشاح التقوى، والاتزار بإزار العبودية، والعض على عروتها يالنواجذ، لينال السائر في طريق المعرفة رحمة الله تعالى، فيؤتيه علما لدنيا وهبيا، وعلما كسبيا سببيا، وخير من جسد هذه الحال، وتمثل هذه الحقيقة، سيدنا الخضر عليه السلام، الذي حقق العبودية، فنال رحمة أهلته لشرف التلقي عن الله تعالى، بل وجعله معلما لنبي من أولي العزم وهو سيدنا موسى عليه السلام، وهو ما أخبرنا ربنا عنه بقوله:{  فَوَجَدا عَبدًا مِن عِبادِنا آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا }[ الكهف:  ٦٥ ].


هذا كلام موجه كله لمن يريد تحصيل معرفة جادة في أي فرع علمي، أما قراء التسلية، فأعظهم ألا يقرؤا هذا الكلام، فما هو كلام يقرأ للتسلية.


وأختم بخير كلام كلام الله تعالى ملك الكلام، الذي حذر من مصيبة التكاثر والمكاثرة، وذكر مغبته وعواقبه الوخيمة، فقال جل من قائل{ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ(١) حَتّى زُرتُمُ المَقابِرَ(٢) كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ(٣) ثُمَّ كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ(٤) كَلّا لَو تَعلَمونَ عِلمَ اليَقينِ(٥) لَتَرَوُنَّ الجَحيمَ(٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَينَ اليَقينِ(٧)  ثُمَّ لَتُسأَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعيمِ }[التكاثر:  ١ - ٨ ].


والحمدلله رب العالمين.


*محمد إدريس*

الثلاثاء، 21 فبراير 2023

إلى الإسلام من طريق السعادة

 *إلى الإسلام من طريق السعادة*


 الإسلام منظومة حياة، تعتمد على ثلاثة مفاهيم رئيسية تشكل العقد الناظم لفلسفته، وهي:

في مرجعية الفلسفة: الوحي.

في منهجية الفلسفة: الاختيار المبني على التعقل الصحيح.

في غاية الفلسفة: التحقق بالعبودية التي أرشدت إليها حقائق الوحي، وصدقها الاختيار العقلي الصحيح.

إذا هنا ثلاث ركائز كبرى لننعم بالإسلام فلسفة حياة وأسلوب عيش: 

الوحي.

الاختيار.

العبودية. 


إذا أراد امرؤ معرفة الإسلام على أسس علمية صحيحة فليعلم أنه قائم على أسس ثلاثة مراتكبة بعض فوق بعض: 


الأساس الأول: الوحي وهو في أخصر عبارة توضح فلسفته أنه مصدر الحقائق واليقينيات التي لا يمكن العقل المجرد الوصول إليها، وبتعبير آخر، أنه المنبئ عن الغيبيات.  

وطريق إثبات صحة هذا المصدر إما: 

- باعتماده منهج العقل في إثبات ما يثبته ونفي ما ينفيه فيدرك العقل حينها أنه مصدر صحيح للوصول إلى الحقايق ولو سمي وحيا.


- وإما بإثبات صدق المعتمد عليه فيما يخبر به من الحقائق واليقينيات، فحينئذ سيقطع العقل أن المخبر بواسطته لا يمكن أن يكون كذابا بل يستحيل عليه ذلك لتواتر كل ما ينفي ذلك عنه. فإذا عجزنا عن إدراك أبعاد الوحي فلن نعجز عن إثبات صدقه وصحته مصدرا عن طريق صدق من أخبرنا به. وهذا واقع في حال البشر. فيمكن أن يقبل أحدهم حقيقة مطلقة عن أحد لثبوت اليقين عنده أنه لا يمكن أن يكذب أبدا.


- وإما عن طريق المعجزات وهي الخوارق للعادات يجريها الله تعالى على يد نبي أو ولي كرامة وتثبيتا له ولأوليائه، وتصديقا له عند مريدي الحق، بما يقطع أن هذه الخوارق لا بد أن تكون من مصدر خارج عن هذا النبي أو الولي أي أن المعجزة تجرى له لا أنه هو الذي يجريها، وهذا هو الفرق بين هذه الصورة والتي قبلها.


والآن:


وقد تبين معنى الوحي، وكيفية إثبات صحة كونه مصدرا صحيحا للوصول إلى الحقائق واليقينيات من دون العقل المجرد، فلا بد لمن أراد فهم الإسلام على أسس علمية صحيحة أن يدرك أن الوحي الرباني المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآله قد أخبر أن سعادة البشر في الدنيا والآخرة، منوطة بعمل صالح يصدر عن إيمان بالله فقد قال الله تعالى { مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ }[ النحل: ٩٧ ].


وأخبر أيضا أن شقاءهم في الدنيا والآخرة منوط بترك العمل الصالح الصادر عن عدم الإيمان بالله، وهذا قيد مهم جدا فقد يقع من المؤمن أنه يعصي ويفرط في العمل، لكنه بإيمانه بالله مازال مشمولا بالرحمة، بعكس الذي ليس في قلبه إيمان بالله فهذا صدوده عن العمل إعراض عن الله نسأل السلامة والعافية قال الله تعالى { وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى }[ طه: ١٢٤ ]. فقوله ذكري هنا أوجه معانيه أن المقصود به هو الإيمان بالله جمعا بين النصوص.


فإذا ما عرفنا هذه الحقيقة التي أخبر بها الوحي المنزل في كتاب الله وقد ثبت في العقل والقلب أنه صدق وحق بادر الإنسان إلى المرحلة الثانية، والأساس الثاني الذي يبنى عليه التصور الصحيح للإسلام وهو :


الاختيار: وهو في أحسن توصيف مختصر له: اعتقاد حقيقية معينة بعد اتضاح الموقف من الوحي قبولا ورفضا، بناء على عملية التعقل، وهذا شرط مهم جدا فلا اختيار لمن لا عقل له، والإسلام لا يريد أن يعتقد به المجانين وضعاف العقول والحمقى، بل هو دين قائم على دعوة كمل الناس في العقول والنفوس زكاء وذكاء إلى المبارزة في ميدان إثبات الأفكار أو دحضها بأسلحة العقل الفتاكة والتي لا يثبت معها إلا الحقيقة الكاملة الراسخة جذورها في الأرض الممتدة فروعها في السماء وليس ثم حقيقة سواها إنها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله تلك الحقيقة التي صدعت العقل وصرعته في معركة الحقيقة وجعلت له خيارين لا ثالث لهما إما أن يؤمن بها ويسلم لها فيعلو بهذه العبودية لها، حتى يعلن العقل أن العقل كل العقل في الإيمان بالله تعالى والتسليم له في كل ما أمر به ونهى عنه، فيصر بذلك العقل الكامل، وإما أن يكفر بها وحينئذ يكفر به كل شيء، وينادي عليه أن اشهدوا أن العقل لا عقل له. 


وإما العبودية طواعية، أو كراهية، وهذا الأساس الثالث لفهم الإسلام فهما صحيحا فليس بعد التثبت من صحة الوحي، والقدرة على الاختيار بالعقل الصحيح إلا العبودية التامة الطوعية، أو العناد والكفر مع البقاء في دائرة العبودية أيضا لكنها عبودية قهر وذل فأين سيخرج من ملك الله وسلطانه وهو ربه الذي خلقه. 

وشتان ما بين العبودتين، عبودية الحياة الطيبة بالإيمان والعمل الصالح، وعبودية الإعراض عن الله والإيمان به، ومن ثم الشقاء بذلك. 


هذا باختصار هي فلسفة الإسلام، في إسعاد الناس، فمن أراد أن السعادة في أسلوب حياة يحقق له كل أشكال الحياة الطيبة فها هو الإسلام.


*محمد بن إدريس*

الخميس، 15 ديسمبر 2022

شهداء النزوة

 شهداء النزوة 


أما بعد:


نعم فإن الإنسان ما زال في معترك الحياة بدرعه ورمحه ونبله ومنجنيقه وصاروخه ودبابته ورشاشه يقول بذلك في صد العاديات والغوائل والمحن ليبقى كالطود الشامخ لا يبالي ما أصابه في سبيل ذلك، فتخضع عند ذلك الحياة له ذللا.


وإن من أفتك تلك الغزوات والمعارك، غزوة النزوة، ويالها من غزاة تدمر كل شيء أتت عليه فلا تبقي ولا تذر. وكم قالت بأحلام الأشاوس من الرجال والنساء هكذا وهكذا فلا تدعهم إلا صرعى. 


دلالةوزن القلة في كلمة النزوة يشعر أنها سلوك متطرف عن السياق العام  لاستجابة الإنسان للغرائز. وهي حالة سطوة غريزة ما من غرائز الإنسان عليه، حتى تستعبده، ويكون طوع أمرها، قبل أن تأمره، بل طوع مجرد خواطرها. وهذا أخطر ما فيها.


المعركة الخاسرة.


النزوة منتصرة دائما في كل معاركها، ووارحمتاه لإنسان وقف لها، فإنها تفتك به فتكا يدل على مدى فداحته تكرار المصدر (فتكا) مطلق دون تقييد.


هذا كثير.!!

أتفق ولذلك لا يمكن مواجهة النزوة إلا بالأسلحة الربانية، فإن الإنسان خلق ضعيفا، مسلط عليه نزوات غرائزه وهوى نفسه وفتنة الدنيا وأز الشيطان ووسوسته وتزيينه من وراء ذلك كله. 

وخلق ضعيفا ليلزم عتبة ربه فلا يجزها قيد خطرة ولا رفة.


هل النزوة على هذا حالة اضطرار أم اختيار.!


فيها من الاثنين ذلك أن الإنسان أبدا متربص به من أعدائه الأربعة الذين سلف ذكرهم، فهو في هذه الصورة يشبه حالة المضطر، لكن الله أرحم الراحمين ولن يكله إلى أعدائه يستفردون به، فهو إنما قدر وجودهم لحكمة الابتلاء لتحقيق غاية العدل في الجزاء بالثواب والعقاب، = قد هيأ له من الأسلحة التي يراغم بها أعداءه أشد المراغمة، بل يكبتهم فينقلبوا خاسرين، وهذا جانب الاختيار في حالة النزوة.


وما هي الأسلحة!


الله تعالى كل ما يحتاجه الإنسان في غزوته مع نزوته، وقد هيأ له سبحانه :


١ تشريعات في كل مجالي الحياة ومنها التعامل مع الغرائز وفلسفة التشريعات في ذلك تضمن له إن التزم بها أن يكون في أمان من كرة النزوة.


٢ لزوم عتبة الربوبية، لأن الرب هو المتعهد بالتربية والرعاية لمن خلقهم، فهو المدبر المالك الرازق وهذه أعظم مجالي الربوبية.


٣ الإشباع وإرواء ظمأ الغريزة بما شرعه الله وأباحه فإن ذلك من أعظم ما يكف به شر النزوات وهجمتها، فالجوع كافر.


٤ كل تطلب بعد كفاية فهو نزوة، ومعنى هذا أن تجاوز حد الشرع فيما أبيح والذي يضمن به الكفاية و الإشباع إلى ما وراء ذلك من نداء النزوة لا الغريزة. وهو علامة على خلل ما في تطبيق الشرع.


٥ النزوة حالة سكر فما أسكر قليله وكثيره حرام، وكل مسكر يتخذ من مواد أولية فلتتلف أو يعهد بها إلى من أن يحسن بها.


٦ الإنسان ليس كلب غرائز وحيوان شهوة بل هو روحاني سام عن هذا المستوى من الانحطاط إلى هذا الدرك.


٧ النزوة اعتداء من كل وجه ولا تصح التوبة إلا برد الحقوق لمن اعتدي عليهم، فتحلل من كل نظرة آثمة ورت بالإعجاب بجمال خلق الله عن سوء طوية على إرادة الحرام، ومن كل كلمة كنت بحسن التعبير عن قبيح المراد، ومن كل حركة عرضت بلين الجس عن بطش غاشم، 


فمن هم شهداء غزوة النزوة!


في جملة واحدة هم الذين قاوموا أعداء القلب الأربعة بكل ما شرعه الله مبتغين في ذلك وجهه سبحانه فنالوا إحدى الحسنيين شهادة في سبيل الله ونصرا مؤزرا بإذن الله فلا يهلكن أسى صريع نزوة كانت هذه حاله، ولا يفرحن بطرا وغفلة من لم تكن هذه حاله ولا كرامة فردغة الخبال أولى به.


أستغفر الله وأتوب إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


* محمد بن إدريس*

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة* إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبد...