الاثنين، 6 مارس 2023

أي عبدي: من أمرك أن تعبدني بهذا

*أي عبدي: من أمرك أن تعبدني بهذا*


من سوء أدب العبد مع ربه، أن يعبده ويتقرب إليه بما لم يأذن له به أن يكون شرعا، وهذا فعل هو ضد طبيعة العبودية للربوبية.


ووجه كون ذلك سوء أدب بما يلي:

١- لأن فيه ترفيعا للعبد إلى مقام الرب، وذلك بجعل إمكانية التشريع له من دون الله. وتسمية العبد ربا إذا أخذ حق التشريع بالتحليل والتحريم قد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله الذي أخرجه الترمذي (3095) عن عدي بن حاتم رضي الله قال:أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءةٌ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه.


٢- لأن فيه افتئاتا على الله، وتقولا عليه بغير علم، فمن أين للعبد أن يعلم أن هذا الفعل هو مراد الرب، وقد نص ربنا تبارك وتعالى على أن هذه الفعل من أكبر الكبائر وأنه قرين الشرك، فقال: { قُل إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وَما بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكوا بِاللَّهِ ما لَم يُنَزِّل بِهِ سُلطانًا وَأَن تَقولوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعلَمونَ }[ الأعراف: ٣٣ ].


٣- لأن فيه تفويتا لأحد شرطي العبادة المقبولة عند الله، وهو المتابعة، أي لزوم الطريقة النبوية الواردة بصحيح الأخبار الثابتة، في التعبد بعمل فعلا وتركا، وأما الشرط الأول فهو الأخلاص لله، بقصده بالعمل الصالح دون إشراك أحد معه.

وقد دلت نصوص القرآن المتكاثرة على هذا المعنى، من أصرحها دلالة قوله تعالى: { قُل إِن كُنتُم تُحِبّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعوني يُحبِبكُمُ اللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ(٣١) قُل أَطيعُوا اللَّهَ وَالرَّسولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرينَ }[آل عمران: ٣١ - ٣٢ ].


٤- لأن فيه تشبها بالمشركين، والأقوام الضالين، الذين عبدوا الله بما لم يشرعه، وجعلوا دينهم هزوا ولعبا وقد نهينا في الشرع عن التشبه بهم، ففي كتاب الله تعالى يقول الله تعالى { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا الَّذينَ اتَّخَذوا دينَكُم هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفّارَ أَولِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ }[ المائده: ٥٧ ].


٥- لأن فيه تغييرا لشرع الله، وتطريقا ( أي فتح الطرق) للزيادة والنقص في دين الله، على صورته التي أتمهما الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وآله وقبضه عليها، فقال جل من قائل في كتابه الكريم {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا فَمَنِ اضطُرَّ في مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجانِفٍ لِإِثمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رَحيمٌ }[ المائده: ٣ ].

فتبطل حينئذ دلالة هذه الآية الصريحة بإكمال الدين وتشريعاته، بإحداث التغييرات فيه زيادة ونقصا.


وبعد:

فقد قال الله تعالى:{ فَاستَقِم كَما أُمِرتَ وَمَن تابَ مَعَكَ وَلا تَطغَوا إِنَّهُ بِما تَعمَلونَ بَصيرٌ }[ هود: ١١٢ ]. لا كما أردت.


ولأجل كل ما سبق كانت البدعة مذمومة في الشرع مطلقا، وضابطها المحرر الذي قرره الشريف البرفسير حاتم العوني، في عدة من كتبه، فقال: البدعة هي الأمر المتعبد به ويتدين به وقطع بعدم نسبته إلى الشرع.


فهي بهذا التعريف مذمومة من كل وجه، ما دامت غير صحيحة النسبة إلى الشرع على وجه القطعية، ويبطل تقسيمها من هذه الحيثية إلى بدعة حسنة وغير حسنة، 


والبدعة وإن كان ظاهرها حسنا لتلبسها بلبوس العبادة تركا وفعلا إلا أن ذلك لا يشفع لها أبدا، فيكون أصحابها كمن قال الله فيهم:{ هَل أَتاكَ حَديثُ الغاشِيَةِ(١) وُجوهٌ يَومَئِذٍ خاشِعَةٌ(٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ(٣) تَصلى نارًا حامِيَةً }[الغاشية: ١ - ٤ ]. 

وقال صلى الله عليه وسلم وآله في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه[5063]( عن أنس بن مالك رضي الله عن قال:جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقالوا: وأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! قدْ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا، وقالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ ولَا أُفْطِرُ، وقالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهِم، فَقالَ: أنْتُمُ الَّذِينَ قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟! أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي.


وعلى حسب العامية الشامية قولهم: الله لا يعطيك عافية فوق تعبك، يضرب مثلا لمن بذل جهدا في عمل فأفسده. 


فلماذا تعبد الله بما لم يشرعه لك. 


فمن أذن لك يا عبده أن تعبده بهذا.


وفي شرع الله موارد للتعبد لا تنضب، يتعبد بها العابد حتى يتعب، ثم يعود إليها مرة فيجدها أخصب، وأروى وأعذب، فلا تكونن كمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فتجعل ربك يغضب.


*محمد بن إدريس*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة* إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبد...