الأربعاء، 22 مارس 2023

ويل للمؤمنين من الوعاظ

 *ويل للمؤمنين من الوعاظ*


كل الوعاظ جهلة إلا عالم بأصول فقه الشريعة ومقاصدها، وأحكامها، وتنزلاتها على الواقع، مع حكمة راسخة، وعقل ذكي، ونفس زكية. 


فما الوعظ؟ 


هو با ختصار النصيحة بعلم وحكمة، بعلم بما ينصح فيه، فلا ينصح بما يجهله، وحكمة في تنزيل هذه الحكمة على واقع المنصوح بتهيئته نفسيا لتقبل النصح، ومعرفة مكمن الخلل في المنصوح ليصح الإصلاح وينجع الدواء.


وإذا فإن مرتبة الوعظ لعظيمة، وإنك لتعجب من تخليط يقع من أحد ما شهر بين الناس بكونه واعظا فيجد من يعذره بأنه مجرد واعظ ألا خاب العاذر والمعذور وتعسا.


قد قدمنا أن الوعظ نصح بعلم وحكمة، فأي شيء هو إعذار الجهلة وضعاف العقول وإسماحهم في الوعظ، اللهم إلا إن كان المقصود الغض من شأن الدين كله، فإن العلم في شرعنا دين، والدين علم، والوعظ علم، فالغض منه غض من الدين نفسه.


ثم الوعظ سوط من سياط القلوب، اكتسب هذه السوطية من كون الجلاد (الواعظ)يضرب القلوب به باسم الله تعالى، وفيه نوع من القول على الله فإما أن يكون بعلم، فهؤلاء هم الأنبياء وورثتهم من العلماء، وإما أن يكون بجهل فهؤلاء هم الجهلة وحسب. 


وهو إذ كان بهذه المكانة، صح أن يوصف بالسلطنة على القلوب، وسياستها، فإن الإمام الراغب الأصفهاني، قد عد الوعاظ من أصحاب الولايات على القلوب، وذلك فيما ذكره في كتابه الذريعة إلى مكارم الشريعة بما نصه: 

((فأشرف أصول الصناعات السياسة وهي أربعة أضرب:

الأول: سياسة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة، ظاهرهم وباطنهم.  

والثاني: الولاة وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم.  

والثالث: الحكماء وحكمهم على باطن الخواص.  

والرابع: الفقهاء والوعظة وحكمهم على بواطن العامة)).  (١)


وها نحن على مشارف رمضان، وإن مما يزعجني من متطوعة الوعظ ما يلي:


١- الافتئات على الشارع الحكيم، والمزايدة على الناس في إيمانهم وإقبالهم على الله طوعا دون حاجة منهم إلى إنهاكهم بسوط الوعظ، الذي يعيرهم بضعف عبادتهم، وبمقارنتهم بعبادة الأسلاف، بل يسوء أدب بعضهم فيعير الناس بعبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وكأنه شأو يدرك، والشأن كل الشأن هو بذل الوسع في الاقتداء بالنهج. 

ومن العجيب حقا في ذلك أنك ترى من غير المسلمين المخالطين للمسلمين يرفع شعار الاحترام لهم هيبة لشهرهم ولربما شاركهم الصيام وهو يهودي أو نصراني. 


٢- إعطاؤهم الحق لأنفسهم في تفصيل برنامج رمضاني لعامة الناس. وهو إن حسن كان مجرد رأي عابر، لا تشريع مستقر، ثم هو قد يليق ببعض الناس ولا يليق بآخرين، ثم من  طلب منهم تفصيل برامج في قراءة القرآن وطريقة صلاة التراويح والصدقة الخ ما هنالك والشأن أن الشرع قد أبان كل ما يلزم العبد في ذلك كله بما لا يدع لمتزيد مجالا.

وعادة الشريعة بعد تشريعها عبادات معينة وتفصيل ما يحتاج إليه العبد في أدائها، وشرائط قبولها، تدع المجال للعبد أن يقوم بها كيف شاء ما دام ملتزما بنهج الشريعة ولم يخرج عن منهج الشريعة.


٣- دعواهم العريضة أن الذي لا يداوم على الصالحات بعد رمضان فذلك دليل على أنه لم يقبل منه ما عمله في شهر رمضان هكذا ضربة لازب دون استدلال واحد صحيح يستقيم في الدين والعقل والمنهج. فتبا لهم وتعسا. وهم بذلك يفتون في عضدد المؤمنين، فلا يبذلون ما يستطيعون فما الفائدة من اجتهاده في العبادة وهو سيتغير بعد رمضان أرأيتم خطورة(هبد) الوعاظ، وهذه الفكرة إن كان لها وجه صحيح فمعناه هو الحض على الاستمرار على نفس النهج بعد رمضان من باب تتابع الأعمال، فالاجتهاد في رمضان يعين على مواصلة الخير بعده لأن مدة رمضان تكفي لمن صدق وجد في اكتساب عادات جديدة يستمر عليها. ومع ذلك فهذا كله لا يلزم، فالاجتهاد في رمضان طبيعي وهو خصوصية للشهر الكريم، لتوافر أسباب ذلك، والعودة بعد رمضان إلى الحال الني كانت قبله أيضا أمر طبيعي لتوفر أسباب ذلك.


هذه ابرز مثارات الغلط عند عامة الوعاظ الجهلة، وليس المقام مقام استقصاء بل التنبيه بما قيل على ما لم يقل.


وبعد:

فليتق الله، من يعظ الناس بأن يتقوا الله، ولا يتقولن على الله بلا علم، ولا حكمة، فإن عاقبة ذلك هو الخسران المبين.


ثم أيها المؤمنون:

يجب صوم شهر رمضان لمن شهده، والشهادة مقام أعلى من مجرد الحضور والمعاينة، بل هي مقام تحقق وتيقن من إذن الله لعباده أن يهرعوا إليه، وينجذبوا إليه بكليتهم، ولا يدعن بابا إلى عمل صالح إلا تولجوا منه إليه. 


يا مسلم ها قد غلقت تلك الأبواب التي كانت تصدك عن ربك، بغلق أعظم باب، وهو باب عدوك الأكبر إبليس لعنه الله، فما دونه أهون إن استعنت بالله فلنر الله من أنفسنا خيرا، وأولى أعمالك هو طرح قلبك على عتبة ربك في كل لحظة من لحظات هذا الشهر الكريم، حتى يؤذن لك في الحضرة الربانية القدسية، فتفيض عليك من ميازيب الرحمة والخزائن الملكية ما لا خطر ولا يخطر ولن يخطر على بال أحد اللهم آمين.


اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين، ولا مفقودين، ونحن في عافية وإيمان، وغنى وسعادة، وفقنا إلى ما تحب من الأعمال الصالحة التي وفقت إليها من وفقت من أوليائك، وتقبل منا، واغفر لنا، وكل عام وأنتم بخير.


*محمد بن إدريس*


--------

(١) الذريعة الى مكارم الشريعة - المجلد 1 - الصفحة 271 - جامع الكتب الإسلامية

الراغب الأصفهاني، 1428 هـ - 2007 م، الذريعة الى مكارم الشريعة، مجلد 1، صفحة 271، دار السلام - القاهرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة* إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبد...