شهداء النزوة
أما بعد:
نعم فإن الإنسان ما زال في معترك الحياة بدرعه ورمحه ونبله ومنجنيقه وصاروخه ودبابته ورشاشه يقول بذلك في صد العاديات والغوائل والمحن ليبقى كالطود الشامخ لا يبالي ما أصابه في سبيل ذلك، فتخضع عند ذلك الحياة له ذللا.
وإن من أفتك تلك الغزوات والمعارك، غزوة النزوة، ويالها من غزاة تدمر كل شيء أتت عليه فلا تبقي ولا تذر. وكم قالت بأحلام الأشاوس من الرجال والنساء هكذا وهكذا فلا تدعهم إلا صرعى.
دلالةوزن القلة في كلمة النزوة يشعر أنها سلوك متطرف عن السياق العام لاستجابة الإنسان للغرائز. وهي حالة سطوة غريزة ما من غرائز الإنسان عليه، حتى تستعبده، ويكون طوع أمرها، قبل أن تأمره، بل طوع مجرد خواطرها. وهذا أخطر ما فيها.
المعركة الخاسرة.
النزوة منتصرة دائما في كل معاركها، ووارحمتاه لإنسان وقف لها، فإنها تفتك به فتكا يدل على مدى فداحته تكرار المصدر (فتكا) مطلق دون تقييد.
هذا كثير.!!
أتفق ولذلك لا يمكن مواجهة النزوة إلا بالأسلحة الربانية، فإن الإنسان خلق ضعيفا، مسلط عليه نزوات غرائزه وهوى نفسه وفتنة الدنيا وأز الشيطان ووسوسته وتزيينه من وراء ذلك كله.
وخلق ضعيفا ليلزم عتبة ربه فلا يجزها قيد خطرة ولا رفة.
هل النزوة على هذا حالة اضطرار أم اختيار.!
فيها من الاثنين ذلك أن الإنسان أبدا متربص به من أعدائه الأربعة الذين سلف ذكرهم، فهو في هذه الصورة يشبه حالة المضطر، لكن الله أرحم الراحمين ولن يكله إلى أعدائه يستفردون به، فهو إنما قدر وجودهم لحكمة الابتلاء لتحقيق غاية العدل في الجزاء بالثواب والعقاب، = قد هيأ له من الأسلحة التي يراغم بها أعداءه أشد المراغمة، بل يكبتهم فينقلبوا خاسرين، وهذا جانب الاختيار في حالة النزوة.
وما هي الأسلحة!
الله تعالى كل ما يحتاجه الإنسان في غزوته مع نزوته، وقد هيأ له سبحانه :
١ تشريعات في كل مجالي الحياة ومنها التعامل مع الغرائز وفلسفة التشريعات في ذلك تضمن له إن التزم بها أن يكون في أمان من كرة النزوة.
٢ لزوم عتبة الربوبية، لأن الرب هو المتعهد بالتربية والرعاية لمن خلقهم، فهو المدبر المالك الرازق وهذه أعظم مجالي الربوبية.
٣ الإشباع وإرواء ظمأ الغريزة بما شرعه الله وأباحه فإن ذلك من أعظم ما يكف به شر النزوات وهجمتها، فالجوع كافر.
٤ كل تطلب بعد كفاية فهو نزوة، ومعنى هذا أن تجاوز حد الشرع فيما أبيح والذي يضمن به الكفاية و الإشباع إلى ما وراء ذلك من نداء النزوة لا الغريزة. وهو علامة على خلل ما في تطبيق الشرع.
٥ النزوة حالة سكر فما أسكر قليله وكثيره حرام، وكل مسكر يتخذ من مواد أولية فلتتلف أو يعهد بها إلى من أن يحسن بها.
٦ الإنسان ليس كلب غرائز وحيوان شهوة بل هو روحاني سام عن هذا المستوى من الانحطاط إلى هذا الدرك.
٧ النزوة اعتداء من كل وجه ولا تصح التوبة إلا برد الحقوق لمن اعتدي عليهم، فتحلل من كل نظرة آثمة ورت بالإعجاب بجمال خلق الله عن سوء طوية على إرادة الحرام، ومن كل كلمة كنت بحسن التعبير عن قبيح المراد، ومن كل حركة عرضت بلين الجس عن بطش غاشم،
فمن هم شهداء غزوة النزوة!
في جملة واحدة هم الذين قاوموا أعداء القلب الأربعة بكل ما شرعه الله مبتغين في ذلك وجهه سبحانه فنالوا إحدى الحسنيين شهادة في سبيل الله ونصرا مؤزرا بإذن الله فلا يهلكن أسى صريع نزوة كانت هذه حاله، ولا يفرحن بطرا وغفلة من لم تكن هذه حاله ولا كرامة فردغة الخبال أولى به.
أستغفر الله وأتوب إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* محمد بن إدريس*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق