الاثنين، 14 نوفمبر 2022

اللذة المظلومة

 


لكل شيء من الإنسان معنيان من خلقه، كونه أداة ووسيلة إلى المنفعة الموكل بها، وكونه سببا لحصول اللذة به، فاللسان يتذوق ليطعم ويتلذذ بما يأكل، فلو كان مجرد الأكل غاية لأغنى قطع الجوع ولو بكسرة خبز، وحتى هذه الكسرة لا بد لها من شيء يرققها ويلذذها. ويقاس على هذا باقي ما خلق من الإنسان.


ومرجع اللذات كلها إلى لذة الجسد، ولذة الروح، ولذة الواسطة بينهما وهي النفس.


وأعظم لذات الجسد عند أواسط الناس معتدلي الخلقة لذة الجنس، فهي إلى كونها سبب استمرار النوع في الخلق لذة كاملة مقصودة لذاتها، كشأن سائر ما خلق من الإنسان كما قدمنا به الحديث. وإنما قلت أواسط الناس، ومعتدلي الخلقة لأنبه إلى أن هناك من هو مستغن بطبعه عنه، كما هو مشاهد في واقع الناس.


وأعظم لذات الروح عند أواسط الناس كذلك ومعتدلي الخلقة لذة العلم المتحصل بطريق التعقل أي ممارسة عملية التفكير للوصول إلى عقل الحقيقة. وعقل النفس والجسد بها. وإنما قلت أواسط الناس كذلك لأنبه إلى أن هناك من هو مستغن بطبعه عنه إما لعجز فيه أو لانشغاله بغيره من اللذات.


وأما النفس فإن أعظم لذاتها هي قدرتها على توفية دور الوسيط بين الروح والجسد فهي برزخ بينهما فإذا كلت عن ذلك وعجزت أصاب الروح والجسد من ذلك بمقدار ما أصابها.


ولذلك كله كانت عناية القرإن الكريم بالنفس عناية بالغة، تصويرا لحقيقتها، وبيانا لأدوارها، والغاية من خلقها، ونسب إليها تعقلا خاصا تحاسب عليه وتؤاخذ، ومع ذلك لم يتركها هملا ترعى في حمى اللئام وموائدهم، بل رعاها وتكفل بها وحمل إليها من صنوف المعارف، وأطايب الجمال، ومواعظ الحق، ما يحقق لها التزكية فتتنقى عن كل شوائب الباطل فتتأهل بعد ذلك للقيام بدورها في إسعاد الجسد والروح.


ولذلك كله كانت أعظم اللذات على الإطلاق لذة تدبر القرآن الكريم وهي اللذة المظلومة فهل نحن منصفوها.!!؟


*محمد بن إدريس*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دين الله بين الغيرة والغارة (وهي خلاصة مهمة في عقيدة الولاء والبراء)

 *دين الله بين الغيرة والغارة* إن من الناس ناس يدعون الغيرة على دين الله أشد من غيرة الله على دينه، تعاين ذلك منهم في التشدد بالتفسيق والتبد...