*قواميس لغوية تقرأ كاملة*:
جرت العادة بأن قواميس اللغة تعامل معاملة المراجع العلمية والتي من أهم صفاتها أن تستقى منها المعلومات موثقة، وقد تكون مصادر ينطلق منها في إثبات معلومة وليست فقط لمجرد التوثيق. ومن أهم الأسباب في ذلك طولها، وعدم تخصصها في باب معين، واحتواؤها على معارف كثيرة.
لكن خرجت عن هذه القاعدة قواميس لغوية اعتبرت مراجع ومصادر وأيضا مؤلفات تقرأ بنفس طريقة سائر المؤلفات غيرها وذلك لما تميزت به بما يلي:
- استفادت مما قبلها. وحررته.
- أضافت ما لم يكن موجودا.
- أحسنت في منهج العرض والتأليف فلا هي بالطويلة المحشوة ولا بالقصيرة المخلة.
- تخصصها في طريقة معينة لدراسة المفؤدة اللغوية.
- اكتسابها صفة المرجعية الموثوقة، واعتماد الجهود العلمية بعدها عليها، ومن أسباب ذلك جلالة مؤلفيها وإمامتهم في تخصصهم.
وهذه القواميس هي:
- العين، وهو المنسوب للفراهيدي وإضافته تكمن في اقتناص المعاني من تقليب الأبنية، وبيان المستعمل منها وغير المستعمل.
- الصحاح صحاح اللغة وتاج العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري، وهو قاموس متقن محرر، فيه نقد وتصحيح واستدراك، مع حسن العرض، ووجازة العبارة، في إمامة مؤلفه، وإبداعه فهو أحد أذكياء الدنيا.
- مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، وقد ابتكر طريقة في دراسة المفردة اللغوية عن طريق استخراج المعنى من الجذر الاشتقاقي بعد استقراء موارده.
- مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، وإضافته تكمن في اقتناص المعاني من استقراء مواردها في كلام الله تعالى وقطعا ستكون هناك معان جديدة تظهر من ذلك غير موجودة في استعمال كلام غير الله تعالى.
- أساس البلاغة، لجار الله الزمخشري، وهو كاسمه أساس للبلاغة، فإن من مهمات البلاغة معرفة معنى اللفظ في الحقيقة وفي المجاز، ولا يعرف ذلك إلا من خلال استقراء استعمالات المفردات في سياقاتها فهذه الطريقة هي التي تسمى الطريقة الاستعمالية. وهذا وجه الإضافة فيها فهي تبين لك المعنى الأصلي للفظة والمعنى المجازي.
هذه أبرز الطرق المبتكرة في دراسة المفردة اللغوية، ويبنغي أن يعلم أن كل طريقة من هذه الطرق اقتدى بها أحد ممن جاء بعدها، فالصحاح قد عملت عليه جهود طورته وكملته وصححته، ومن أنفس تلك الجهود حواشي ابن بري وتنبيهاته، وجهود الصاغاني.
ومقاييس اللغة قد سير على نهجه ومن أنفس ذلك المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن للدكتور محمد حسن جبل وهو معاصر رحمه الله، وأوسع منه كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم للمصطفوي وهو معاصر أيضا رحمه الله تعالى وقد شمل طريقة الراغب الأصفهاني، في مفرداته، إضافة إلى طريقة ابن فارس في مقاييسه.
وهناك طرق أخرى لكن ليس فيها ابتكار مثل جمع الألفاظ المستعملة في المعنى المعين فغاية ما فيها أن تعمد إلى معاني ماقالوا وتنظر اللفظ الذي استخدموه في ذلك، ويشترط لهذه الطريقة لكي تكتسب صفة الإبداع، أن تستخرج اللفظ الذي لم يستخدم باستقراء الموارد السابقة على معنى ان يقال مثلا باب في القتال فيذكر في معنى القتال الشديد لفظ لم يستخدم بناء على استقراء موارد ما استخدم مثله فيه.
وجميع القواميس التي عنيت بكلام الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وآله مبتكرة مضيفة معاني لا توجد في غير كلامهما، فينبغي العناية بها لتحصيل المرادين مراد الله من كلامه ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم وآله ومن ثم تحصيل الملاءة اللغوية والبيانية.
ومن أمثلتها:
في غريب الحديث:
كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام.
كتاب الفائق للزمخشري.
كتاب النهاية لابن الأثير.
وهناك مصدر في تفسير اللغة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يغفل عنه، وهو كلام السلف من الصحابة والتابعين والأئمة في عصور الاحتجاج، فإنهم أهل لغة أولا، ثم معاصرو تنزلات المعاني على الواقع، وناقلون ثقات لكل ذلك.
ونجد ذلك في تفسير الطبري، مثلا أو مصنف ابن أبي شيبة، وكلام الشافعي في كتبه، والجاحظ، إلى آخر ما هنالك.
والفكرة من المقال كله في جملة واحدة:
لا يمكن الوصول إلى معنى لفظة في اللغة أو الوحيين من مصدر واحد، أو طريقة واحدة، بل لا بد من استثمار كل الطرق السابقة، وغيرها، مما يمكن أن يستخرج به المعنى الأقرب إلى الصوابية في دلالة كل لفظة وتركيب. والحمد لله رب العالمين.
*محمد بن إدريس*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق